مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لمن تنحاز في المونديال؟


فهد الخيطان

لمن تنحاز في المونديال؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

مشاركة الأردن لأول مرة في مونديال كأس العالم لكرة القدم، جعلتنا أكثر اهتماما بهذه التظاهرة العالمية. فئات واسعة من المواطنين، لم تكن لتكترث بالمناسبة لولا حضور "النشامى". وكثيرا ما كنت تصادف مواطنين لا يعلمون أبسط المعلومات عن قواعد لعبة كرة القدم، لكنهم وبالرغم من ذلك اندفعوا بالصباحات الباكرة إلى مناطق التشجيع في سائر المحافظات.

محركهم في ذلك هو الرغبة في التعبير عن الهوية والمنافسة، وأكثر من ذلك الانحياز لما يعتقد أنه تجسيد لطموح شخصي وجمعي وطني.

خروج المنتخب الوطني من دور المجموعات، ترك أثره على جمهور المونديال في الأردن. فئات واسعة من المشجعين الحصريين للمنتخب الأردني، انسحبت من سباق المنافسة، ولم تعد تتابع المباريات. حضورها في ميدان التشجيع ارتبط بمشاركة النشامى وبمغادرتهم انتهى موسمها مع المونديال.

فئات أخرى ليست قليلة في الأردن، لديها تاريخ طويل وتقاليد في تشجيع المنتخبات العالمية، عادت لانحيازاتها السابقة بمجرد خروج النشامى ومن بعده المنتخبات العربية، خاصة مصر والمغرب.

في كرة القدم فقط وربما ذلك الجانب المدهش لشعبية اللعبة، أنك تستطيع اللعب على أكثر من وتر في انحيازاتك؛ تبدأ بالأقرب إلى وجدانك وقلبك ثم الأبعد، وصولا إلى منتخبات بلدان لا تجمعك بها أي صلة ثقافية أو هوياتية. ما الذي يجعل الآلاف يتحمسون لمنتخب في أميركا الجنوبية البعيدة، أو أوروبا سوى تلك اللحظة التي تعلق بها قلبك بلاعب أو أكثر لتجد نفسك مشجعا لهذا الفريق دون أن تدرك السبب الحقيقي.

كثيرا ما نواجه بهذا السؤال: لماذا اخترت البرازيل أو إسبانيا لتشجيعها؟ في العادة لا تملك تفسيرا ولا جوابا لهذا السؤال، سوى ذكريات عن أيامك الأولى في متابعة مباريات هذا الفريق فوجدت نفسك منحازا له دون أن تعرف السبب. أو المرجح أن الانحياز وقع بشكل تلقائي، كالحب من أول نظرة، لا تملك قدرة على مقاومته.

يحدث مثل هذا الأمر دائما معنا، عندما نشاهد منافسة كروية أو حتى في رياضات أخرى، لفريقين لا تعرف هويتهما، فتجد نفسك داعما لصاحب اللون الأبيض ضد صاحب الأحمر، أو العكس وبشكل تلقائي.

الانحياز لطرف ضد آخر، هو سلوك طبيعي في الإنسان، لا يمكن مقاومته، ليس في كرة القدم فقط، إنما في كل أوجه الحياة. لكن ميزة الرياضة عن السياسة مثلا أن الانحياز فيها لا يرتب مسؤوليات على الفرد، وأكثر من ذلك لا يترك فيك روحا عدائية، ولذلك طالما استعير من الرياضة مصطلح "الروح الرياضية" عندما تطلب من فريق سياسي تقبل هزيمته في الانتخابات، أو خسارة جولة في الحياة.

أسوأ ما شهدنا في هذا المونديال، هو استعارة عكسية لمعنى الصراع السياسي وفرضه على الرياضة، لتصبح لعبة عظيمة ككرة القدم، ميدانا سياسيا لا رياضيا، يبقي الشعوب بعيدة عن الاستقطاب والتمييز على أساس القوة والمكانة السياسية.

تضامن الناس مع فرق الدول الصغيرة والضعيفة التي لعبت بشجاعة فائقة، كان تعبيرا عن الرغبة بالانتصار للضعفاء في مواجهة الأقوياء المستبدين في عالمنا. ذلك ما يمكن وصفه بالانحياز للضمير الإنساني، مقابل جبروت الدول الكبرى التي تتوهم أن قدراتها الاقتصادية والعسكرية، تمنحها حق اغتصاب الفوز في الرياضة دون اعتبار لقوة خصمها.

التشجيع والانحياز في الرياضة، عموما، يمنح صاحبه سلاما داخليا، لم يعد ينال مثله في ميادين الحياة الأخرى، التي أصبحت مثقلة بالغضب والكراهية والعداء.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ