قلائل هم القادة والزعماء والرؤساء الذين يقدمون مصالح البلاد والشعوب على مصالحهم وعلى انفسهم . لم يسجل التاريخ العربي الحديث تنازلا لاي حاكم عن السلطة إلا في حالتين؛ الاولى عندما اعلن الجنرال السوداني سوار الذهب تخليه عن السلطة لحساب سلطة مدنية لزرع الثقة في النفوس ومن اجل مصلحة بلاده، والثانية عندما تنازل أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة عن موقعه كأمير للبلاد ورئيس للدولة لولده سمو الشيخ تميم من اجل ضخ دماء جديدة في السلطة ومنح فرص للشباب في كل المواقع .
في منتصف التسعينيات من القرن الماضي وعندما شعر الشيخ حمد بن خليفة أن بلاده تسير ببطء نحو المستقبل وأن الحاجة تلح على ضرورة انطلاق البلاد لتأخذ مكانها في عالم متغير قاد تغييرا سلميا اتاح له تولي القيادة ووضع اسس لانطلاقة جديدة قائمة على احداث تحولات جذرية في التعليم والاقتصاد والسياسة والاعلام يديرها الشباب .خلال اشهر قليلة بدأت قطر رحلة النهوض فطورت مواردها النفطية والغازية وراجعت نظامها التعليمي واسست قناة الجزيرة التي احدثت بركانا هز قواعد الخطاب الاعلامي العربي وقوض اركانه .في فترة وجيزة شهدت قطر تناميا في الناتج القومي الاجمالي وانفتاحا واسعا على العالم ونهضة عمرانية لفتت أنظار الجميع . فمن بضع مليارات سنويا في منتصف التسعينيات قفز الناتج القومي الاجمالي ليصل الى ما يزيد على ٢٠٠ مليار اليوم ومن إمارة ترتبط بعلاقات أخوية محدودة مع الجوار الى دولة منفتحة على العالم تمتلك شركة طيران فازت مرارا بلقب افضل الخطوط الجوية العالمية.الخطاب السياسي القطري اصبح مختلفا تتنسم فيه روح العروبة والحيوية والاعتداد بالهوية رغم انفتاحها على العالم والتعاطي مع كافة اطيافه .معظم الذين يديرون مواقع القرار شباب ونساء في مقتبل العمر رغم انهم لا يبالغون ولا يستعرضون الانجازات التي تحققت للمرأة . فالمرأة القطرية محتفظة بهويتها وتؤدي دورها جنبا الى جنب مع الرجال .على معظم واجهات الاشتباك الاقليمي كانت قطر حاضرة تلعب دورا يروق للبعض وينتقده البعض الاخر فهي التي بقيت على صلة بحماس يوم تخلت عنها كل الانظمة العربية وهي التي تفاوضت او نظمت قنوات التفاوض وهي التي مدت يدها الى تركيا عندما قطعت الامل بشراكات عربية واخيرا لم تكن قطر بعيدة عن المفاوضات الامريكية الإيرانية التي تمت بوساطة باكستانية .في الاوساط العربية الخليجية وتعبيرا عن سرعة الانطلاقة القطرية قال البعض في وصف حالة التسارع في النمو القطري " كويت الامس ، ودبي اليوم ، وقطر الغد" هذا التسارع الذي تشهد ملامحه في بناء مؤسسات التعليم العالي الذي تبنته قطر فهناك برامج دراسات في الجامعات القطرية اعدت بالتنسيق والإشراف المشترك مع جامعات أمريكية وكندية واوروبية وفي الدوحة اليوم أعظم واكبر متحف فن تشكيلي يحوي أوسع تشكيلة لوحات واعمال كبار الفنانين .لقد تحققت لي فرصة الاطلاع على كيف يفكر ويشعر ويتصرف الاخوة في قطر حينما عملت في مؤسساتها لسنوات وفي مجالين وعلى فترتين الاولى في مطلع الالفية الثالثة حين طلب إلي أن أعمل خبيرا في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة واتيح لي ان أطل على حجم الرغبة والاصرار لدى القيادة القطرية على سبق الزمن والعمل بسرعة البرق على تبني ودمج كل ما اثبتت المعرفة والتجارب صلاحيته وقد اعد حينها المجلس الأعلى استراتيجيات شاملة للطفولة والمراة وكبار السن والشباب وذوي الاعاقة.اما الثانية فقد جاءت من خلال تكليفي بالعمل مستشاراً لمكتب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالاعاقة والذي شغلته حينها سعادة الراحلة الشيخة حصة بنت خليفة بن أحمد آل ثاني وشاهدت في تجولنا حول العالم حجم الاحترام والتقدير الذي يكنه العالم لدولة قطر وحجم اسهاماتها في دعم دول العالم الفقير في أفريقيا وآسيا وامريكيا اللاتينية . في تلك الفترات تعلمت معاني سامية للخدمة وشهدت كيف يمكن أن تسهم العزيمة الصادقة في احداث تحولات عميقة في المجتمع وكيف يؤثر ذلك على نوعية حياة المواطن وسمعة واحترام الدولة . لم أفاجأ ابدا عندما سمعت خبر تنازل الشيخ حمد بن جاسم عن الحكم لولي عهده تميم بعد مرور اقل من عشرين عاما على توليه السلطة فقد كانت مصلحة الدولة والبلاد هي الاهم وقد كانت رحلة التتابع والاستمرار تحتاج إلى استكمال البرامج لا الانقلاب عليها . لقد كبر الامير في عيون كل المراقبين وأضاف إلى ادبيات السياسة والحكم حادثة وفصلا ونهجا ينبغي أن يدرس جيدا كخاصية قطرية تؤشر على تميز ثقافي وروحي وأخلاقي يصعب أن يضاهى .في نفس سياق التميز الذي انتهجته قطر كانت دورة المونديال ٢٠٢٢ التي نظمتها هذه الدولة بحرية وإتقان وجمال يصعب أن يتكررا .لقد نجحت قطر في رسم صورة مشرقة ومشرفة لها والعالم العربي والقيم الاسلامية ولا اظن أن احدا توقف كثيرا عندما قياس اثر هذا التنظيم على تغيير الصورة النمطية والذهنية للعرب عند الامم والشعوب الاخرى .قد تشتت انتباهنا الصراعات والحروب الإقليمية والمنافسات بين دول الاقليم لكن الحقيقة الثي لا يمكن تجاهلها أن قطر دولة تشق طريقها نحو المكانة التي تستحق وأن لديها الكثير مما يمكن التوقف عنده باحترام واجلال.الرحمة لروح الشيخ حمد والعزاء لسمو الشيخ تميم والشيخة موزة بنت ناصر المسند وأصحاب السمو الأمراء والاميرات والشعب القطري الشقيق.
وانا لله وانا اليه راجعون.
