مدار الساعة - بقلم نادر قديسات -
في حياة المجتمعات وذاكرتها لا تموت الافكار بسبب الرفض المجتمعي فقط بل قد تموت بسبب الافراط في استهلاكها .فالتضخم ليس بحكر على النظرية الاقتصادية فهنالك تضخم سياسي يكون عندما يفقد الخطاب السياسي قيمته نتيجة الافراط في تناوله .ومن منظور انثروبولوجي فأن الرموز السياسية تستمد معناها من التفاعل بين الخطاب والممارسة غير أن الممارسة هي التي تمنح الخطاب مصداقيته واستمراريته فعدما يطغى الخطاب على الفعل يحدث ما يمكن ان نسميه التأكل لرمزية الفكرة فتتراجع قيمتها في الوعي الجمعي فشتان بين الصحوة المجتمعية وبين التطبيع السياسي للأفكار بما يعني اعتياد الخطاب السياسي.ولعل ابرز المفردات السياسية التي تواجه اليوم خطر التاكل الرمزي هي (السردية الوطنية) التي تحولت في الاونة الاخيرة الى واحدة من اكثر المفاهيم تداولا في المجال العام تعود الكلمة بأصلها الى الجذر اللغوي(سرد)وتعني حسب اغلب المعاجم التتابع في الرواية او الحكاية وعندما نقول الوطن فنحن نقصد به الاردن اي اننا نريد ان نسرد سردية الاردن اي ان نحكي قصة الاردن ولأن القصة لا تبدأ دون الفصل الاول فهو الاساس ومكمن الرواية وهنا يظهر الخلل. الفصل الاول الذي غاب عنه اصحاب الاختصاص اي عالم التاريخ القادر على توثيق الاحداث وعالم الانسان(الانثروبولوجي)القادر على تفسير الانسان وثقافته وهويته والشاهد الابرز الذي يحفظ ذاكرة المكان ويمنح الرواية ادلتها وعالم الاجتماع القادر على تفسير المجتمع ,ومن الطبيعي عندما يغيب او يغييب قصدا او جهلا اصحاب الاختصاص بأن يظهر غير المختصين فيختزلوا قصة الاردن ببضع سنين او بأحداث سياسية انية جاهليين الاف السنين من التراكم الحضاري والانساني وهنا لا تختزل الروايه بل وتستنزف ايضا اذا تتحول الى خطاب سياسي متكرر يفتقر الى العمق المعرفي فيتشبع بها المجتمع لا لانها اقنعته بل لانه أًفرط في تكرارها .ان السردية الوطنيه لا تبنى بكثرة الحديث عنها بل بأعادة اكتشافها وإن الرواية التي يصوغها الخطاب السياسي منفردًا تبقى ناقصة، أما السردية التي تُبنى على المعرفة التاريخية والأنثروبولوجية والاجتماعية، ثم تُترجم إلى سياسات وممارسات عامة، فهي القادرة على أن تترسخ في ذاكرة الوطن فيرتبط التاريخ بالانسان،والهوية بالمجتمع،والاثار بالذاكره،والسياسة بالثقافة .وبأعتقادي فأن السردية الوطنيه ليست كيانا قائما بذاته وانما تمثل احد اضلاع مثلث متكامل يشترك فيه ضلعان لا يقلان اهمية وهما المواطنه الفاعلة والحوكمة الرشيدة فلا يمكن للسردية مهاما بلغت قوتها ان تؤدي وظيفتها اذا لم تترجم الى مواطن يشعر بالانتماء ويمارس حقوقه ويؤدي واجباته كما لا يمكن ان تترسخ في الوعي الجمعي اذا غابت الحوكمة الرشيدة التي تجسد قيم العداله والشفافيه وسيادة القانون وتكفاؤ الفرص .فالسرديه تمنح المجتمع روايته المشتركة والمواطنه الفاعله تمنح تلك الروايه الحياة وتترجمها في سلوك الافراد والحوكمة الرشيدة تمنحها المصداقيه من خلال المؤسسات والسياسات العامه وفي هذه الاضلاع الثلاث يتشكل مثلث أطلق عليه الهوية الوطنيه، فالهوية ليست خطاب ولا شعور وانما تراكما يتشكل من سردية وطنية وحوكمة رشيدة ومواطنة فاعلة .وإن اخطر ما قد يصب هذا المشروع الوطني الجوهري (السردية الوطنية) هو اعتياد الناس عليها فتفقد قدرتها على التغيير والبناء فالسردية ليست مشروع اعلامي طارئ بل مشروع حضاري طويل الامد يبدأ من المعرفة ويكتمل بالانسانالسردية الوطنية عندما تضيع المفردة
مدار الساعة ـ











