مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عمر الرزاز.. حين يتجاوز الإنسان المنصب، ويصبح الوطن فكرة تعاش


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

عمر الرزاز.. حين يتجاوز الإنسان المنصب، ويصبح الوطن فكرة تعاش

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ

لَيْسَ مِنَ الْيَسِيرِ أَنْ يَكْتُبَ الْإِنْسَانُ عَنْ شَخْصِيَّةٍ عَمِلَ مَعَهَا عَنْ قُرْبٍ؛ فَالْقَلَمُ يَجِدُ نَفْسَهُ بَيْنَ وَاجِبِ الْإِنْصَافِ، وَحَرَارَةِ الْوُدِّ، وَأَمَانَةِ الشَّهَادَةِ. وَإِذَا كَانَ التَّارِيخُ يُدَوِّنُ الْمَنَاصِبَ وَالْقَرَارَاتِ، فَإِنَّ الذَّاكِرَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ تُدَوِّنُ مَا هُوَ أَبْقَى: طَرِيقَةَ الرَّجُلِ فِي التَّعَامُلِ، وَصِدْقَهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَوَفَاءَهُ لِمَبَادِئِهِ، وَمَا يَتْرُكُهُ مِنْ أَثَرٍ فِي قُلُوبِ النَّاسِ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ حَدِيثِي عَنِ الدُّكْتُورِ عُمَرِ الرَّزَّازِ لَيْسَ حَدِيثًا عَنْ رَئِيسِ وُزَرَاءٍ أَسْبَقَ، أَوْ وَزِيرِ تَرْبِيَةٍ وَتَعْلِيمٍ، أَوْ عُضْوِ مَجْلِسِ أَعْيَانٍ، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ إِنْسَانٍ رَأَيْتُهُ عَنْ قُرْبٍ، وَعَايَشْتُهُ فِي مَيَادِينِ الْعَمَلِ، فَأَدْرَكْتُ أَنَّ الْمَنَاصِبَ كَانَتْ عِنْدَهُ وَسِيلَةً، وَلَيْسَتْ غَايَةً، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي دَاخِلِهِ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الْأَلْقَابِ الَّتِي سَبَقَتِ اسْمَهُ.

ثَمَّةَ رِجَالٌ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ سِيرَتَهُمُ الْوَظِيفِيَّةَ لِتَعْرِفَهُمْ، وَثَمَّةَ رِجَالٌ آخَرُونَ تَقْرَأُ سِيرَتَهُمْ ثُمَّ تَكْتَشِفُ أَنَّكَ لَمْ تَعْرِفْ مِنْهُمْ إِلَّا الْعُنْوَانَ. وَالدُّكْتُورُ عُمَرُ الرَّزَّازُ مِنَ الصِّنْفِ الثَّانِي؛ فَهُوَ يُشْبِهُ جَبَلَ الْجَلِيدِ، يَبْدُو لِلنَّاظِرِ جُزْءٌ يَسِيرٌ يَعْلُو سَطْحَ الْمَاءِ، بَيْنَمَا يَبْقَى الْجُزْءُ الْأَعْظَمُ مَخْبُوءًا فِي الْعُمْقِ، حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الْعُيُونُ، وَلَكِنْ تَبْلُغُهُ الْقُلُوبُ الَّتِي اقْتَرَبَتْ مِنْهُ.

وَلَعَلَّ هَذِهِ الْعُمْقَ لَمْ يَأْتِ مِنْ فَرَاغٍ؛ فَقَدْ نَشَأَ فِي بَيْتٍ لَمْ يَكُنِ الْفِكْرُ فِيهِ زِينَةً ثَقَافِيَّةً، بَلْ كَانَ أُسْلُوبَ حَيَاةٍ. فَوَالِدُهُ الْمُفَكِّرُ الْعَرَبِيُّ الْكَبِيرُ منيف الرزاز لَمْ يَتْرُكْ لِأَبْنَائِهِ إِرْثًا مَالِيًّا، بِقَدْرِ مَا تَرَكَ لَهُمْ إِرْثًا مِنَ الْفِكْرِ، وَشَجَاعَةَ السُّؤَالِ، وَالْإِيمَانَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَبْقَى بِمَا يُقَدِّمُهُ لِوَطَنِهِ وَأُمَّتِهِ.

وَلَمَّا غَابَ الْأَبُ، لَمْ تَغِبِ الرِّسَالَةُ؛ فَقَدْ تَحَمَّلَتِ الْأُمُّ الْفَاضِلَةُ سلمى النابلسي مَسْؤُولِيَّةَ أُسْرَةٍ لَمْ تَكُنْ تُرَبِّي أَبْنَاءً فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ تُرَبِّي فِكْرًا، وَتَحْرُسُ تَرَاثًا، وَتُعِدُّ جِيلًا يَحْمِلُ مَا آمَنَ بِهِ وَالِدُهُمْ. وَكَانَتْ، فِي نَظَرِي، تَجْسِيدًا لِلْأُمِّ الَّتِي تُدْرِكُ أَنَّ أَعْظَمَ الْمِيرَاثِ لَيْسَ مَا يُوْضَعُ فِي الْخَزَائِنِ، بَلْ مَا يُغْرَسُ فِي الضَّمَائِرِ.

وَمِنْ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ الْأُسَرِيَّةِ خَرَجَ الرِّوَائِيُّ الْمُبْدِعُ مؤنس الرزاز، وَخَرَجَ عُمَرُ الرَّزَّازُ، كُلٌّ يُعَبِّرُ عَنِ الْفِكْرِ بِأَدَاتِهِ؛ فَمُؤْنِسٌ جَعَلَ الرِّوَايَةَ مِرْآةً لِلْإِنْسَانِ، وَعُمَرُ جَعَلَ الْإِدَارَةَ وَالسِّيَاسَةَ الْعَامَّةَ مَجَالًا لِتَرْجَمَةِ الْفِكْرِ إِلَى وَاقِعٍ.

وَلَمْ يَكُنْ غَرِيبًا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَقِلَ بَيْنَ مَحَطَّاتٍ كُبْرَى؛ مِنَ الْعَمَلِ الدَّوْلِيِّ، إِلَى مَجَالِ التَّنْمِيَةِ، وَإِلَى الْمُؤَسَّسَةِ الْعَامَّةِ لِلضَّمَانِ الِاجْتِمَاعِيِّ، و إِلَى صُنْدُوقِ الْمَلِكِ عَبْدِاللَّهِ الثَّانِي لِلتَّنْمِيَةِ، ووِزَارَةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، فَرِئَاسَةِ الْوُزَرَاءِ، ثُمَّ عُضْوِيَّةِ مَجْلِسِ الْأَعْيَانِ. غَيْرَ أَنَّ الْخَيْطَ الَّذِي انْتَظَمَ هَذِهِ الْمَحَطَّاتِ كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ الْمَنْصِبَ، بَلِ الْفِكْرَ؛ وَلَمْ يَكُنِ السُّلْطَةَ، بَلِ الْإِنْسَانَ.

وَلَقَدْ كَانَ يُؤْمِنُ، فِي مَا لَمَسْتُهُ مِنْهُ، أَنَّ الدَّوْلَةَ لَا تُبْنَى بِكَثْرَةِ الْقَوَانِينِ، بَلْ بِثَقَافَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَلَا تَنْهَضُ بِكَثْرَةِ الشِّعَارَاتِ، بَلْ بِإِطْلَاقِ طَاقَاتِ الْإِنْسَانِ. وَلِذَلِكَ، كَانَ يُنَادِي بِأَنْ يَكُونَ التَّعْلِيمُ مِحْوَرَ النَّهْضَةِ، وَأَنْ تَكُونَ الْحُرِّيَّةُ مَسْؤُولِيَّةً، وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةُ ثَقَافَةً، وَالْعَدَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ رُكْنًا لَا زِينَةً فِي بِنَاءِ الدَّوْلَةِ.

فَالْمَنَاصِبُ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الرِّجَالَ؛ بَلِ الرِّجَالُ هُمُ الَّذِينَ يُعِيدُونَ تَعْرِيفَ الْمَنَاصِبِ بِمَا يُضِيفُونَ إِلَيْهَا مِنْ قِيَمٍ، وَبِمَا يَتْرُكُونَهُ فِي ضَمِيرِ الْوَطَنِ مِنْ أَثَرٍ.

وَلَعَلَّ أَقْرَبَ الْمَحَطَّاتِ إِلَى قَلْبِي فِي تَجْرِبَةِ الدُّكْتُورِ عُمَرِ الرَّزَّازِ، تِلْكَ الَّتِي جَمَعَتْنِي بِهِ فِي وِزَارَةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ. هُنَاكَ لَمْ أَرَهُ وَزِيرًا يُدِيرُ مِلَفًّا، بَلْ رَجُلًا يَحْمِلُ رُؤْيَةً، وَيُؤْمِنُ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَيْسَ مَرْفَقًا حُكُومِيًّا، بَلْ مَشْرُوعُ وَطَنٍ، وَأَنَّ الْمَدْرَسَةَ لَيْسَتْ مَكَانًا لِتَلْقِينِ الْمَعْلُومَةِ، بَلْ فَضَاءً لِصِيَاغَةِ الْإِنْسَانِ.

كَانَ يُدْرِكُ أَنَّ النَّهْضَةَ لَا تَبْدَأُ مِنَ الْجَامِعَةِ، بَلْ مِنْ رِيَاضِ الْأَطْفَالِ، فَعَمِلَ عَلَى تَرْسِيخِهَا جُزْءًا أَصِيلًا مِنَ السُّلَّمِ التَّعْلِيمِيِّ، وَكَانَ يَرَى فِي الطِّفْلِ مَشْرُوعَ مُوَاطِنٍ، لَا مُجَرَّدَ تِلْمِيذٍ. وَآمَنَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى أَسِيرَةَ الْوَرَقِ، فَدَفَعَ نَحْوَ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ، وَتَوَسِيعِ اسْتِخْدَامِ التِّقْنِيَّةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِلتَّعْلِيمِ عَنْ بُعْدٍ قَبْلَ أَنْ تَفْرِضَهُ الْجَائِحَةُ عَلَى الْعَالَمِ.

وَكَانَ يَحْلُمُ بِأَنْ لَا يَحْرِمَ طَالِبٌ فِي أَقْصَى الْبَادِيَةِ أَوِ الْقُرَى مِنْ مُعَلِّمٍ مُتَمَيِّزٍ، فَتَكُونُ التِّقْنِيَةُ جِسْرًا بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْسَانِ، لَا حَاجِزًا بَيْنَهُمَا. وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْعَدَالَةَ التَّعْلِيمِيَّةَ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ الْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

وَاهْتَمَّ بِالْبِيئَةِ الْمَدْرَسِيَّةِ، وَبِمَدَوَّنَةِ السُّلُوكِ، وَبِالْإِرْشَادِ النَّفْسِيِّ، وَبِالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالطَّالِبِ، وَبَيْنَ الطَّالِبِ وَزَمِيلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّ الْأَخْلَاقَ تُعَلَّمُ كَمَا يُعَلَّمُ الْعِلْمُ، وَأَنَّ الْمَدْرَسَةَ الَّتِي تَبْنِي الْعَقْلَ وَلَا تَبْنِي الْوِجْدَانَ تُخْرِجُ أَنْصَافَ مُتَعَلِّمِينَ.

وَعَمِلَ عَلَى تَطْوِيرِ امْتِحَانِ الثَّانَوِيَّةِ الْعَامَّةِ، سَعْيًا إِلَى نِظَامٍ أَكْثَرَ عَدْلًا وَأَقَلَّ رَهَبَةً، يُتِيحُ لِلطَّالِبِ فُرْصَةَ التَّحْسِينِ، وَيُقَلِّلُ مِنْ سُلْطَةِ الِامْتِحَانِ الْوَاحِدِ عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْإِنْسَانِ.

وَحِينَ انْتَقَلَ إِلَى رِئَاسَةِ الْوُزَرَاءِ، لَمْ يَتْرُكْ حُلْمَهُ خَلْفَهُ، بَلْ وَسَّعَ دَائِرَتَهُ. فَكَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَشْرُوعِ نَهْضَةٍ، لَا يَقُومُ عَلَى الْإِنْشَاءِ، بَلْ عَلَى بِنَاءِ مُؤَسَّسَاتٍ كُفْؤَةٍ، وَإِدَارَةٍ رَشِيدَةٍ، وَدَوْلَةٍ تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْمُسَاءَلَةَ وَالْعَدَالَةَ لَيْسَتْ شِعَارَاتٍ، بَلْ شُرُوطًا لِاسْتِقْرَارِ الْأَوْطَانِ وتقدمها.

نعم،عندما انْتَقَلَ إِلَى رِئَاسَة الوزراء لم يترك حلمه خلفه ،وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ ابْنَةَ الْمَنْصِبِ، بَلْ كَانَتِ امْتِدَادًا لِمَا كَتَبَهُ وَدَافَعَ عَنْهُ فِي دِرَاسَاتِهِ وَمُحَاضَرَاتِهِ. فَقَدْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الدَّوْلَةِ بِوَصْفِهَا حَارِسَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، لَا مُجَرَّدَ مُدِيرٍ لِلسُّوقِ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِالْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَأَنَّ النُّمُوَّ الَّذِي لَا يَبْلُغُ الْإِنْسَانَ يَبْقَى رَقْمًا فِي التَّقَارِيرِ، وَلَا يَتَحَوَّلُ إِلَى نَهْضَةٍ فِي حَيَاةِ الْأُمَمِ. وَلِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ نَقْدُهُ لِلنِّيُولِيبِرَالِيَّةِ رَفْضًا لِلسُّوقِ، بَلْ رَفْضًا لِأَنْ يَتَحَوَّلَ الْإِنْسَانُ إِلَى مُجَرَّدِ رَقْمٍ فِي مِيزَانِ الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ.

وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَكْتَمِلُ دُونَ الْإِصْغَاءِ إِلَى صَوْتِهِ، فَإِنَّ نَمَاذِجَ مِنْ كِتَابَاتِ الدُّكْتُورِ عُمَرِ الرَّزَّاز يرى فيها الْقَارِئُ كَيْفَ الْتَقَتِ الْفِكْرَةُ بِالْمُمَارَسَةِ، وَكَيْفَ حَاوَلَ صَاحِبُهَا أَنْ يَجْعَلَ مِنَ السِّيَاسَةِ أَخْلَاقًا، وَمِنَ الْإِدَارَةِ خِدْمَةً، وَمِنَ الدَّوْلَةِ مَظَلَّةً لِلْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

وهنا استكمل، ثُمَّ جَاءَتْ جَائِحَةُ كُوفِيد-19، فَوَضَعَتِ الدَّوْلَةَ أَمَامَ اخْتِبَارٍ لَمْ تَأْلَفْهُ الْأَجْيَالُ. وَقَدْ أَظْهَرَتْ تِلْكَ الْمَرْحَلَةُ أَهَمِّيَّةَ الْعَمَلِ الْمُؤَسَّسِيِّ، وَالِاسْتِنَادِ إِلَى الرَّأْيِ الْعِلْمِيِّ، مَعَ مَا رَافَقَ ذَلِكَ مِنْ تَحَدِّيَاتٍ وَقَرَارَاتٍ صَعْبَةٍ، وَنِقَاشَاتٍ عَامَّةٍ سَتَبْقَى جُزْءًا مِنْ تَقْيِيمِ تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ.

غَيْرَ أَنَّ مَا أُرِيدُ أَنْ أُسَجِّلَهُ هُنَا، لَيْسَ مَا كَتَبَتْهُ الْوَثَائِقُ، بَلْ مَا حَفِظَتْهُ الذَّاكِرَةُ.

أَشْهَدُ، بِمَا رَأَيْتُهُ بِنَفْسِي، أَنَّ الدُّكْتُورَ عُمَرَ الرَّزَّازَ كَانَ قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ قُرْبَ الْقَلْبِ مِنَ الْقَلْبِ، يُصْغِي قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَيَسْتَمِعُ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ. وَرُبَّمَا كَانَتِ ابْتِسَامَتُهُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ، تُخَفِّفُ عَنْ صَاحِبِ الْحَاجَةِ مَا لَا تُخَفِّفُهُ الْكَلِمَاتُ.

وَشَهِدْتُ مَوَاقِفَ لَمْ يَطْلُبْ أَنْ يَعْرِفَهَا أَحَدٌ، كَانَ يُسَاعِدُ فِيهَا أُنَاسًا مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ، فِي صَمْتٍ يَأْبَى الْمَنَّ وَالرِّيَاءَ. وَرَأَيْتُهُ يَعْتَذِرُ عَنْ مُكَافَآتٍ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ بِحُكْمِ مَوْقِعِهِ، مُكْتَفِيًا بِرَاتِبِهِ، مُؤْمِنًا أَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ تَكْلِيفٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ تَشْرِيفًا. وَلَوْلَا أَنِّي عَايَشْتُ بَعْضَ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ، لَمَا تَجَرَّأْتُ عَلَى سَرْدِهَا.

وَمَعَ كُلِّ هَذَا اللِّينِ، لَمْ يَكُنْ رَجُلًا مُتَرَدِّدًا. بَلْ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَبْدَأُ بِالْحِوَارِ، وَأَنَّ الْحَزْمَ لَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِنْفَادِ كُلِّ سُبُلِ الْإِقْنَاعِ وَالْمُعَالَجَةِ. فَإِذَا أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، وَاسْتُهْلِكَتْ كُلُّ الْفُرَصِ، اتَّخَذَ الْقَرَارَ دُونَ تَرَدُّدٍ، لَا انْتِصَارًا لِنَفْسِهِ، بَلِ انْتِصَارًا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.

وَإِذَا سَأَلَنِي أَحَدٌ: مَا الَّذِي بَقِيَ فِي ذَاكِرَتِكَ مِنْ عُمَرِ الرَّزَّازِ؟ لَقُلْتُ: لَيْسَتِ الْمَنَاصِبُ، وَلَا الْأَلْقَابُ، وَلَا قَاعَاتُ الِاجْتِمَاعَاتِ، بَلْ ذَلِكَ الْوَفَاءُ الَّذِي كَانَ يَظْهَرُ كُلَّمَا ذُكِرَ وَالِدُهُ، أَوْ وَالِدَتُهُ، أَوْ شَقِيقُهُ مُؤْنِسٌ. كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ لَا بِوَصْفِهِمْ ذِكْرَى، بَلْ بِوَصْفِهِمْ حُضُورًا دَائِمًا فِي وَجْدَانِهِ. وَمَنْ يَبْقَى وَفِيًّا لِجُذُورِهِ، يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْقَى وَفِيًّا لِوَطَنِهِ.

إِنَّ الرِّجَالَ لَا يُقَاسُونَ بِعَدَدِ الْمَنَاصِبِ الَّتِي شَغَلُوهَا، بَلْ بِمِقْدَارِ الْقِيَمِ الَّتِي حَمَلُوهَا مَعَهُمْ إِلَى تِلْكَ الْمَنَاصِبِ، وَأَعَادُوا بِهَا تَعْرِيفَ الْخِدْمَةِ الْعَامَّةِ.

وَلَعَلَّ هَذِهِ هِيَ الصُّورَةُ الَّتِي احْتَفَظْتُ بِهَا لِلدُّكْتُورِ عُمَرِ الرَّزَّازِ؛ إِنْسَانٌ سَبَقَ الْمَنْصِبَ، وَبَقِيَ بَعْدَهُ، وَحَمَلَ الْفِكْرَ دُونَ تَعَالٍ، وَالْمَسْؤُولِيَّةَ دُونَ اسْتِعْلَاءٍ، وَالْوَطَنَ فِي ضَمِيرِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَهُ فِي مَوْقِعِهِ.

وَإِذَا كَانَتِ الْأَوْطَانُ تُخَلِّدُ رِجَالَهَا فِي سُجِلَّاتِ التَّارِيخِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَا تُخَلِّدُ إِلَّا أُولَئِكَ الَّذِينَ مَرُّوا بِهَا خِفَافًا، وَتَرَكُوا فِيهَا أَثَرًا لَا تَمْحُوهُ السِّنُونُ.

مدار الساعة ـ