ليست ظاهرة الخطأ في اللغة العربية، على ألسنة أبنائها قبل أقلامهم، حادثةً عابرة يمكن تجاوزها بابتسامة أو تصويب عابر، وإنما هي ظاهرة ثقافية واجتماعية وتعليمية تراكمت عبر عقود طويلة، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي الذي نعيشه في البيت، والشارع، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، بل وفي كثير من المؤسسات الرسمية التي يُفترض أن تكون حارسةً للغة لا شاهدةً على تراجعها.
وحين نتأمل المشهد بهدوء، نجد أن العامية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل اليومي، بل تحولت إلى لغة التفكير والتعبير عند كثيرين، حتى غدت الفصحى بالنسبة لبعضهم لغة المناسبات والامتحانات والخطب الرسمية، لا لغة الحياة. فإذا تحدّث أحدٌ بالفصحى في مجلسٍ عام، أو في لقاءٍ ثقافي، أو حتى في حوارٍ عادي، سارع بعض الحاضرين إلى وصمه بأنه "يتشدق"، أو "يتفلسف"، أو "يستعرض ثقافته"، وكأن سلامة اللغة تهمة، أو كأن العربية أصبحت غريبة بين أهلها.ولعل المفارقة المؤلمة أن العامية تمتلك قدرة كبيرة على الاختزال، فتصف الموقف أو الشيء بكلمات قليلة، فيجد الناس فيها سهولةً وسرعةً وقربًا من النفوس، بينما تبدو الفصحى في نظر بعضهم لغةً تحتاج إلى جهدٍ وتركيز. ومع مرور الزمن ترسخت هذه القناعة حتى أصبح كثير من الناس يهربون من الفصحى قبل أن يمنحوها فرصةً لتكشف عن جمالها ويسرها.ولو سألنا أنفسنا: من أين بدأ هذا الخلل؟ فلن يكون من الإنصاف أن نلقي اللوم على فردٍ بعينه، لأن المسؤولية موزعة بين أطراف كثيرة، في مقدمتها المدرسة والجامعة.فالمدرسة التي يفترض أن تكون الحاضنة الأولى للغة العربية، كثيرًا ما تسمح للمعلم أن يشرح دروسه بالعامية، ويخاطب طلبته باللهجة الدارجة، فينشأ الطالب وهو يسمع الفصحى مكتوبة في الكتاب، لكنه لا يسمعها منطوقة في الصف. والجامعة ليست بأفضل حالًا؛ فكثير من المحاضرات تلقى باللهجات المحلية، ويجد الأستاذ في ذلك سهولةً، ويجد الطالب راحةً، لكن هذه الراحة المؤقتة تتحول مع الأيام إلى ضعفٍ في التعبير، وعجزٍ عن الكتابة السليمة.ولا يخفى أن كثيرًا من الطلبة يرددون العبارة ذاتها: "النحو صعب"، و"العربية معقدة". وهي عبارة أصبحت شماعةً نعلق عليها ضعفنا اللغوي، مع أن المشكلة ليست في اللغة، وإنما في طريقة تعليمها، وفي الأساليب التي قُدمت بها للأجيال. فاللغة لا تُحب بالحفظ وحده، ولا بالقواعد المجردة، وإنما تُحب حين تُمارس، وتُقرأ، وتُسمع، وتصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.ومن هنا نجد كثيرًا من الكتّاب الشباب يكتبون كما يتكلمون، فتتسلل العامية إلى نصوصهم، وتشيع الأخطاء الإملائية والنحوية، وتختلط التراكيب، ثم تُوجَّه أصابع الاتهام إلى اللغة ذاتها، لا إلى طرائق تعلمها أو إهمالها.ولا تقف المشكلة عند حدود المدرسة والجامعة، فالبيت نفسه شريك في هذه الأزمة. فالطفل يسمع العامية منذ خطواته الأولى، ويشب عليها، ثم يفتح التلفاز، فيجد البرامج والمسلسلات والإعلانات باللهجات المحلية، ويفتح الهاتف، فتستقبله منصات التواصل بلغة هجينة، نصفها عامي، ونصفها الآخر مفردات إنجليزية وفرنسية دخلت حياتنا تحت شعارات الحداثة، والتطور، والانفتاح، حتى أصبح بعض الناس يظن أن خلط اللغات دليل ثقافة، مع أنه في كثير من الأحيان دليل اضطرابٍ لغوي وفقدانٍ للهوية.ولذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا تبدأ بتصحيح الأخطاء بعد وقوعها، وإنما بفهم أسبابها، والانتقال من مرحلة الشكوى إلى مرحلة الفعل.ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للعربية، تبدأ أولى خطواته من وزارة التربية والتعليم، من خلال تكريس التخاطب بالفصحى داخل الصفوف الدراسية، وتشجيع المعلمين والطلبة على استخدامها في الحوار اليومي، لا بوصفها واجبًا مدرسيًا، بل لغةً للحياة. كما أن الجامعات مطالبة بأن تجعل الفصحى لغة المحاضرة والنقاش العلمي، فهي أقدر على بناء العقل وصياغة الفكر.ولا يقل دور المؤسسات الثقافية أهمية عن دور المدرسة والجامعة؛ فالجمعيات، والروابط الأدبية، والمنتديات، والصالونات الثقافية، والمراكز البحثية، مطالبة بتنظيم المؤتمرات والندوات والمحاضرات، وإصدار النشرات والدوريات التي تنبه إلى خطورة استفحال الأخطاء اللغوية، وتقدم حلولًا عملية للحفاظ على العربية، لا أن تكتفي برثاء حالها.أما وسائل الإعلام، فهي اليوم صاحبة التأثير الأكبر في تشكيل الذوق اللغوي، ولذلك فإن مسؤوليتها مضاعفة. فما يُسمع كل يوم يرسخ في الذاكرة أكثر مما يُقرأ، وإذا حافظ الإعلام على الفصحى السليمة، أو على الأقل على لغة عربية وسطى قريبة من الناس، فإنه يسهم في حماية اللسان العربي من التآكل، ويحد من تغول العامية، ومن سيل المفردات الأجنبية التي تتسلل إلى حديثنا حتى في أبسط المواقف.وقد يظن بعض الناس أن هذا التغيير صعب، وربما يستغرق سنوات طويلة، وهذا صحيح؛ فبناء الوعي اللغوي ليس مشروعًا موسميًا، وإنما هو مشروع حضاري يحتاج إلى رؤية واضحة، وخطة زمنية، وإيمان بأن اللغة ليست وسيلة للتخاطب فحسب، وإنما هي وعاء الفكر، ومستودع الهوية، وذاكرة الأمة.وليس هذا الهم جديدًا؛ فقد وقف ابن قتيبة قبل أكثر من ألف عام يشكو ما آل إليه حال العلم وأهله، فقال في أدب الكاتب: "فإني رأيت أكثر زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيّرين، ولأهله كارهين..." ثم مضى يصف انصراف الناس عن العلم، وكساد سوق المعرفة، حتى غدا العالم مغمورًا، وصاحب الجهل أوفر حظًا.ولو عاد ابن قتيبة إلى زماننا، لما وجد الصورة قد تبدلت كثيرًا، بل ربما ازداد المشهد تعقيدًا. فالمال أصبح عند كثيرين معيار المكانة، لا المعرفة، والشهادة الجامعية تحولت في أحيان كثيرة إلى غايةٍ شكلية، لا إلى دليل على العلم الحقيقي. وكم من شهادة معلقة على جدار مكتب فاخر، بينما صاحبها انصرف إلى التجارة أو الوظيفة أو جمع الثروة، حتى غدا الدينار والدولار أكثر تأثيرًا من الكتاب والقلم.وليس في هذا انتقاصٌ من التجارة أو السعي إلى الرزق، فالإسلام رفع شأن العمل والكسب، وإنما الخلل أن يُقاس الإنسان بما يملك لا بما يعلم، وأن يتراجع تقدير العلماء وأصحاب الفكر أمام بريق المال والمظاهر.وهذا ما جعل كثيرًا من أهل العلم يعيشون على هامش الحياة الثقافية والاجتماعية، يكررون الحديث نفسه في قاعات الدراسة، بينما يضج الفضاء العام بخطابات سطحية لا تستند إلى معرفة، فتتراجع قيمة الفكر، ويعلو صوت الضجيج.وإذا عدنا إلى الجاحظ وجدناه قد تحدث عن ظاهرة اللحن، أي الخطأ في ضبط الكلمات وحركاتها، وهي ظاهرة بدأت بالانتشار مع اختلاط العرب بالأمم الأخرى في العصر العباسي. غير أن اللحن لم يبق حكرًا على الأعاجم، بل تسرب إلى ألسنة العرب أنفسهم، حتى وصل إلى المدن التي كانت تُعد حصونًا للعربية، كالمدينة المنورة وغيرها.غير أن الفارق بين الأمس واليوم أن اللحن في زمن الجاحظ كان نتيجة اختلاط اللغات، أما اليوم فإنه كثيرًا ما يكون نتيجة الإهمال، وضعف التعليم، وقلة القراءة، وسيطرة الوسائط الرقمية، واستسهال الخطأ، حتى أصبح بعض الناس يكرر العبارة الشهيرة: "المهم إنك فهمت"، وكأن سلامة اللغة أمر ثانوي لا قيمة له.والحق أن اللغة ليست ألفاظًا وحروفًا فحسب، وإنما هي صورة العقل، وهوية الأمة، ومرآة حضارتها. فإذا ضعفت اللغة، ضعف الفكر، وإذا تهاون الناس في لسانهم، تهاونوا في كثير من مقومات وجودهم.ومن هنا فإن الدفاع عن العربية ليس معركةً ضد العامية، فالعامية جزء من تراثنا الاجتماعي، ولها حضورها الطبيعي في الحياة اليومية، وإنما هو دفاع عن مكانة الفصحى، وعن حقها في أن تبقى لغة العلم والثقافة والتعليم والإبداع، ولغة الوعي الجمعي للأمة.إن الطريق إلى استعادة الفصحى لا يبدأ من إصدار القرارات وحدها، بل يبدأ من البيت، ومن المدرسة، ومن الكتاب، ومن الإعلام، ومن القارئ الذي يصر على أن يجعل العربية رفيقة يومه، لا ضيفة مناسباته. فإذا فعلنا ذلك، فلن تكون الفصحى لغة الماضي كما يزعم البعض، بل لغة المستقبل أيضًا، لأنها اللغة التي حملت حضارة أمة قرونًا طويلة، ولا تزال قادرة على حملها إلى آفاق جديدة، متى وجد من يؤمن بها، ويصونها، ويمنحها ما تستحق من محبة ورعاية.بين الفصحى والعامية... من يخطئ في حقِّ العربية؟
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
بين الفصحى والعامية... من يخطئ في حقِّ العربية؟
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ