الدولة الأردنية تجد نفسها اليوم أمام استحقاق وطني فارق يتطلب تعرية شاملة للممارسات التقليدية التي تحاول التسلل إلى المشهد العام بعباءة حداثية مصطنعة؛ فالتحالفات السرية التي تنسج خيوطها خلف الكواليس بين أقطاب الصالونات السياسية الكلاسيكية وبعض الوجوه النيابية الصاعدة تكشف عن عمق الأزمة النخبوية التي تعجز عن استيعاب مفاهيم العمل الحزبي البرامجي؛ إذ يظهر بوضوح كيف يجري توظيف صلات القربى والعلاقات الشخصية الضيقة لامتطاء موجة الاصلاح السياسي وتفريغها من مضامينها الوطنية تحججاً بحماية المكتسبات الفردية؛ وهذا الالتفاف المفضوح يبرهن على أن المشهد الحزبي الجديد بات مهدد بالتحول إلى مجرد غطاء شكلي يخدم تحركات صالونات قديمة تأبى أن تترك قطار المستقبل يسير دون قيودها النفعية المعتادة.
ويتعمق هذا التموضع النفعي المريب في محاولات الضغط الممنهجة الموجهة صوب حكومة الدكتور جعفر حسان من قبل شخوص يعتقدون أن ابتعادهم عن دوائر القرار التنفيذي يمثل إقصاءً غير مقبول لمكانتهم التاريخية؛ وهي عقلية ريعية ترى في مؤسسات الدولة مغانم شخصية دائمة لا يجوز المساس بها أو تجاوزها؛ غير أن القراءة الموضوعية لمسار الدولة تثبت أن استقرار السياسات العليا ورسوخ المنهج المؤسسي أكبر بكثير من أن يرهن برضا أو غضب مسؤولين سابقين غادرو مواقعهم بكومة من الفشل؛ بل إن السعي إلى هندسة كتل ضاغطة داخل أروقة القرار عبر افتعال أزمات جانبية لن يسهم إلا في تمسك الدولة بمسارها الدستوري الواضح ورفضها المطلق للابتزاز السياسي الذي يمارسه من يعيشون على هامش التأثير الفعلي ويتوهمون القدرة على إعادة رسم التوازنات.وتتمدد هذه المناورات السياسية لتصل إلى الإقليمية على المقاعد القيادية البرلمانية وجعل انتخابات رئاسة مجلس النواب المقبلة ساحة للمساومات والصفقات المشبوهة؛ حيث يستند هذا التيار النخبوي إلى شبكات نفوذ ومنافع ضيقة أسسها متضارب المصالح مستغلاً فترته الحقوقية السابقة لبناء ولاءات هشة تقوم على التنفيع المتبادل؛ ومثل هذه التحركات تضرب في الصميم جوهر مشروع التحديث البرلماني الذي أرادته الرؤية الملكية خطوة نوعية لإنتاج مجالس تشريعية قوامها الكفاءة والبرامج والخدمة العامة وليس المحاصصة الإقليمية أو التفاهمات السرية التي تتم في الغرف المغلقة؛ وإن محاولة فرض شخوص بعينهم على سدة الرئاسة التشريعية بهذه الأساليب الملتوية تعكس إصرار حرس البهلوان على إبقاء البرلمان رهينة لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية الضيقة.وينكشف الفصل الأخير من هذه الاستراتيجية الالتفافية المرفوضة في لجوء تلك الأطراف المأزومة إلى تحريك أدوات إعلامية موجهة ومقربة لصناعة حراك مصطنع يحاول التشويش على المنجز الوطني بعيداً عن الحقائق الصلبة؛ فالاعتماد على معارك الظل والزوابع الإعلامية الافتراضية يعبر بوضوح عن إفلاس فكري وسياسي وعجز تام عن مواجهة الرأي العام بطروحات حقيقية ومقنعة في العلن؛ ليبقى وعي الشارع الأردني هو الصخرة التي تتحطم عليها هذه المناورات البائسة كون المواطن يدرك تماماً غايات هذه التحركات والتوقيتات المريبة التي تستهدف إرباك المشهد العام؛ ما يفرض ضرورة حتمية لتحصين الفضاء السياسي والإعلامي من هذه الاختراقات النخبوية وضمان المضي قدماً في مسيرة البناء المؤسسي الراسخ التي لا تلتفت لصخب الصالونات أو المصالح الشخصية أو الإقليمية السياسية الضيقة المعزولة عن نبض الوطن الحقيقي.أقنعة التحديث الحزبي تتهاوى أمام حسابات النفوذ النخبوي وصالونات الماضي
مدار الساعة ـ