مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل يصنع التوجيهي قاضياً؟ قراءة دستورية في شرط الـ(80%) للقبول في المعهد القضائي الأردني وفقا لمشروع نظام المعهد القضائي


أ.د.أسامة أحمد النعيمات
جامعة فيلادلفيا

هل يصنع التوجيهي قاضياً؟ قراءة دستورية في شرط الـ(80%) للقبول في المعهد القضائي الأردني وفقا لمشروع نظام المعهد القضائي

أ.د.أسامة أحمد النعيمات
أ.د.أسامة أحمد النعيمات
جامعة فيلادلفيا
مدار الساعة ـ

أثار مشروع تعديل نظام المعهد القضائي الأردني، الذي رفع الحد الأدنى لمعدل الثانوية العامة (التوجيهي) من (70%) إلى (80%) كشرط للتقدم إلى مسابقة القبول في المعهد القضائي، نقاشاً قانونياً واسعاً، ليس بسبب مقدار الزيادة في المعدل، وإنما بسبب مدى ارتباط هذا الشرط بالغاية التي أنشئ من أجلها المعهد القضائي.

ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على حق السلطة التنظيمية في وضع شروط للقبول، فهذا حق ثابت لها، وإنما يتصل بوجوب أن تكون تلك الشروط موضوعية، ومعقولة، ومتصلة اتصالاً مباشراً بالغاية التي تستهدفها، وفقاً للمبادئ الدستورية المستقرة في الدولة القانونية.

فالمعهد القضائي ليس مؤسسة للتعليم العام، وإنما مؤسسة متخصصة لإعداد القضاة، ولا يقبل فيه الطالب بمجرد حصوله على معدل معين في الثانوية العامة، وإنما يشترط فيه أصلاً الحصول على شهادة البكالوريوس في القانون بتقدير لا يقل عن “جيد”، وتوافر الخبرة القانونية المحددة في النظام، ثم اجتياز امتحان تحريري تنافسي، يعقبه امتحان شفوي ومقابلة شخصية، وهي جميعها مراحل تهدف إلى قياس الكفاءة القانونية والقدرات القضائية.

ومن هنا يثور التساؤل الجوهري: ما العلاقة بين معدل الثانوية العامة الذي حصل عليه المتقدم قبل سنوات طويلة، وبين كفاءته الحالية بعد حصوله على شهادة القانون، واكتسابه الخبرة العملية، واجتيازه امتحانات القبول المتخصصة؟

إن معيار الثانوية العامة قد يكون مناسباً للقبول في الجامعات، لأنه يقيس مستوى الطالب قبل الدراسة الجامعية، أما بعد الحصول على المؤهل الجامعي والخبرة القانونية، فإن المؤشرات الأكثر دلالة على الكفاءة تصبح هي الأداء الأكاديمي في دراسة القانون، والخبرة المهنية، والنجاح في الاختبارات المتخصصة التي يجريها المعهد القضائي.

ومن زاوية دستورية، فإن المادة (6) من الدستور الأردني تقرر مبدأ المساواة أمام القانون، إلا أن هذا المبدأ لا يمنع المشرع من وضع شروط للقبول في الوظائف أو المعاهد المتخصصة، شريطة أن تكون تلك الشروط قائمة على أسس موضوعية، وأن ترتبط ارتباطاً منطقياً بالغاية التي شرعت من أجلها، وألا تنطوي على تمييز تحكمي أو غير مبرر.

ومن ثم، فإن الإشكالية الدستورية لا تكمن في مجرد رفع المعدل إلى (80%)، وإنما في مدى معقولية اتخاذ معدل الثانوية العامة معياراً حاسماً لاستبعاد متقدمين قد يكونون حاصلين على تقدير “جيد جداً” أو “امتياز” في القانون، ويمتلكون خبرة قانونية متميزة، ويستطيعون اجتياز جميع اختبارات المعهد القضائي بكفاءة عالية.

ويتعزز هذا الرأي بالممارسات المقارنة؛ إذ إن غالبية الدول التي تعتمد معاهد أو مدارس قضائية، مثل فرنسا والمغرب ومصر وعدد من الأنظمة الأوروبية، تجعل معيار الاختيار قائماً على المؤهل القانوني، والاختبارات التنافسية، والمقابلات، والجدارة العلمية والمهنية، دون أن تعيد الاعتداد بمعدل الثانوية العامة بعد الحصول على الشهادة الجامعية.

كما أن اشتراط معدل مرتفع في الثانوية العامة قد يؤدي عملياً إلى استبعاد عدد من القانونيين الذين أثبتوا تفوقهم خلال الدراسة الجامعية أو في الممارسة العملية، وهو ما يحد من قاعدة المنافسة، ويحرم السلطة القضائية من الاستفادة من كفاءات قد تكون أكثر تأهيلاً من غيرها.

ومن ناحية أخرى، يبرز تساؤل حول الاتساق التشريعي؛ فإذا كان نظام تدريب المحامين قد استقر على حد أدنى مقداره (75%)، فإن اختلاف المعيار في نظام المعهد القضائي يستدعي بياناً تشريعياً يوضح الأساس الموضوعي لهذا الاختلاف، حتى لا يبدو مجرد تباين غير مبرر بين نظامين يستهدفان إعداد رجال العدالة.

ولذلك، فإن المعالجة التشريعية الأنسب لا تتمثل بالضرورة في الإبقاء على شرط (80%) أو استبداله مباشرة بنسبة (75%)، وإنما في إعادة النظر في فلسفة الشرط ذاته، بحيث يكون معيار المفاضلة قائماً على عناصر ترتبط مباشرة بالكفاءة القضائية، وفي مقدمتها التميز في دراسة القانون، والخبرة القانونية، والنجاح في الامتحان التحريري، والمقابلة الشخصية، واختبارات الكفاءة التي يجريها المعهد.

إن الدولة الحديثة تبني السلطة القضائية على أساس الجدارة، والجدارة لا تقاس بنتيجة امتحان الثانوية العامة بعد مرور سنوات من الدراسة الجامعية والممارسة القانونية، وإنما تقاس بما اكتسبه المرشح من علم قانوني، وخبرة عملية، وقدرة على تطبيق القانون وتحقيق العدالة.

ومن هنا، فإن إعادة دراسة هذا الشرط من قبل ديوان التشريع والرأي تمثل فرصة لتعزيز جودة التنظيم القانوني، وتحقيق التوازن بين حق الدولة في اختيار أفضل العناصر، وحق المواطنين في التنافس على أساس معايير موضوعية ترتبط بطبيعة الوظيفة القضائية، انسجاماً مع أحكام الدستور .

والله من وراء القصد ….

مدار الساعة ـ