لم تكن جاجة الجمعة مجرد طبخة تُعد في آخر الأسبوع، بل كانت حكاية بيت وفرحة دار وموعدا تحفظه القلوب قبل الروزنامات. كانت بشارة الجمعة وعيدها الصغير، الذي تنتظره بيوت أردنية كثيرة، ولا سيما في القرى والأرياف، ومنها الطفيلة، حيث كانت الحياة تمضي على قدر الرزق، لا على قدر الأمنيات.
في ذلك الزمن كان أكثر الناس فلاحين يقتاتون من خير الأرض أو عسكريين يحملون شرف الخدمة، أو موظفين بسطاء يكدحون طوال الشهر ليؤمنوا قوت أسرهم. ولم يكن شراء جاجة الجمعة أمرا عابرا، بل مناسبة أسبوعية لها هيبتها، لا تأتي إلا مع صباح الجمعة.ومن أول النهار يلبس الأب ثوبه ويشد حزامه، ويتجه إلى السوق بخطوات يعرفها أهل الحارة. يشتري جاجة الجمعة وما يلزمها من أرز وخضار وبهارات، ثم يعود إلى بيته، لا وكأنه يحمل حاجيات للطعام، بل وكأنه يحمل فرحة أسبوع كامل. وما إن يطل من باب الدار، حتى ترتسم البسمة على الوجوه، وكأن الجمعة نفسها دخلت البيت معه.وفي البيتكانت الأم تستعد لذلك الموعد بمحبة لا تخطئها العين. وقبل موعد صلاة الجمعة بساعة أو نحوها، تضع جاجة الجمعة في الطنجرة، وتبدأ بإعداد الطبخة التي وقع عليها الاختيار لذلك الأسبوع؛ فقد تكون مقلوبة، أو منسف دجاج، أو ملوخية، أو شوربة فريكة، أو صينية شهية. ولم تكن جاجة الجمعة تحتاج إلى أكثر من طبخة واحدة، لكنها كانت تكفي لتملأ البيت رائحة فواحة والمائدة بركة، والقلوب سرورا.وحين يرتفع الأذان، يمضي الرجال إلى بيوت الله، فينصتون إلى خطبة الجمعة بخشوع، ثم يؤدون الصلاة ويعودون إلى بيوتهم، حيث تكون المائدة قد اكتملت، والأسرة كلها تنتظر تلك اللحظة التي لا يتغيب عنها أحد لا هاتف يشغل الجالسين، ولا شاشة تخطف الأبصار، ولا أحد يستعجل القيام. حديث الأب، وحنان الأم، وضحكات الصغار، كانت هي النكهة التي لا تباع في الأسواق، وكانت اللقمة، وإن كانت قليلة، تشبع القلب قبل الجسد.ولم تكن المائدة تقف عند حدود البيت، فما إن يستوي الطعام حتى تبدأ الصحون رحلتها الهادئة بين الجيران. يخرج هذا بصحن، ويرد ذاك بآخر، ويتسابق الأطفال في حملها من دار إلى دار، وكأنهم يحملون رسائل مودة لا صحون طعام، حتى يخيل إليك أن الحارة كلها تجلس إلى مائدة واحدة، وأن البيوت، وإن فرقتها الجدران، فقد جمعتها المحبة.ولم تكن الأيام تعرف يومها البروستد، ولا الزنجر، ولا البيتزا، ولا الوجبات السريعة التي غزت موائدنا اليوم. كانت الوجبة بسيطة لكنها صادقة، قليلة الأصناف، عظيمة البركة، تتزين بالمودة، وتطيب بالألفة، وكان الناس يتباهون بكرم النفوس، لا بكثرة الأطباق.أما اليوم، فقد اتسعت الموائد وتعددت الوجبات، وتغيرت الأسماء، لكن شيئا من دفء تلك الجمعة ما زال عالقا في الذاكرة، لا تعوضه وفرة الطعام، ولا تشتريه كثرة النعم.رحلت جاجة الجمعة،،، عن موائد كثيرة لكنها لم ترحل من الوجدان. فما إن يطل يوم الجمعة حتى تعود رائحة الطبخة، وصوت الأم وهي تنادي أبناءها، وخطوات الأب العائد من السوق، وضحكات الصغار وهم يترقبون ساعة الغداء.رحم الله تلك الأيام... يوم كانت جاجة الجمعة تجمع أسرة كاملة، ويجمع صحن واحد حارة بأسرها، وكانت البركة تجلس إلى المائدة قبل أن يجلس إليها أهلها.