مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

معهد السياسة والمجتمع: المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية دشّنت جيلًا جديدًا من حروب المعلومات

مدار الساعة,أخبار عربية ودولية,الذكاء الاصطناعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - أصدر معهد السياسة والمجتمع ورقة تحليلية بعنوان: "تصورات الحرب: البنية الرمزية للجيل السادس من الحروب"، تناولت المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية وتداعياتها الإقليمية، من زاوية تركّز على معركة الروايات والدعاية والتضليل والذكاء الاصطناعي، لا على المسار العسكري وحده.

وتجادل الورقة التي جاءت كمخرج لندوة عقدها المعهد تحت نفس العنوان وقدمها أستاذ الدراسات الإعلامية الدكتور باسم الطويسي بأن المواجهة التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026، وما سبقها من مواجهة في حزيران/يونيو 2025، لم تكن مجرد حلقة جديدة في الحروب الدعائية بين إيران وخصومها، بل مثّلت تأسيسًا فعليًا لجيل جديد من حروب المعلومات، تتداخل فيه الضربات العسكرية مع الفيديوهات المفبركة، والروايات المتنافسة، والتأثير على الجمهور، بل وعلى النماذج اللغوية الكبرى للذكاء الاصطناعي.

وتشير الورقة إلى أن المواجهة رافقتها منذ الساعات الأولى موجة واسعة من الادعاءات والمقاطع المفبركة، شملت فيديوهات عن انفجارات ضخمة في تل أبيب، وضربات مزعومة على سفن أمريكية، وصورًا قيل إنها تظهر أضرارًا في قواعد أمريكية بالخليج، مقابل روايات أمريكية وإسرائيلية عن تدمير كامل للمنشآت النووية الإيرانية، وقرب سقوط النظام الإيراني، وحدوث انشقاقات داخل قيادته.

وترى الورقة أن العالم يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا من حروب المعلومات، إذ لم يعد النصر مرتبطًا فقط بما يتحقق في الميدان، بل بالقدرة على فرض رواية مقنعة حول معنى الحرب، ومن بدأها، ومن يدافع، ومن يعتدي، ومن يملك حق إعلان الانتصار.

وتحلل الورقة الروايات الثلاث المتنافسة في المواجهة. فعلى الجانب الإيراني، برز خطاب يصوّر إيران بوصفها "الضحية المنتصرة"، ويركز على عدم قانونية الحرب، والمعاناة الإنسانية، وتضخيم الانقسامات داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، وتصوير القيادات الأمريكية والإسرائيلية بوصفها متهورة. كما تلفت الورقة إلى تحوّل مهم في الدعاية الإيرانية من الخطاب الديني التقليدي إلى خطاب قومي ورمزي، يستدعي إيران بوصفها دولة وحضارة وتاريخًا.

أما الرواية الإسرائيلية، فتقول الورقة إنها انتقلت من نموذج "الهسبارا" التقليدي إلى نموذج يعتمد على الأتمتة، والمحتوى المولّد آليًا، والاستهداف الدقيق للجمهور، ومحاولة التأثير في بيئة المعلومات والخوارزميات. وركّزت هذه الرواية على تصوير إيران كخطر وجودي، وتقديم الضربات العسكرية بوصفها دفاعًا استباقيًا، مع الحديث عن "تحرير الشعب الإيراني" وصناعة صورة انتصار حاسم منذ الأيام الأولى.

وفي المقابل، تخلص الورقة إلى أن الدعاية الأمريكية كانت الأضعف بين الأطراف الثلاثة، بسبب مشكلات المصداقية والتناقض بين الادعاءات المتعلقة بتدمير القدرات النووية الإيرانية بالكامل، والعودة لاحقًا لتبرير الحرب بوجود تهديد نووي إيراني وشيك. وترى الورقة أن ذلك يعكس تراجع قدرة واشنطن على "تصنيع الموافقة" الشعبية، في تحول لافت منذ حرب فيتنام.

وتؤكد الورقة أن أحد أبرز التحولات يتمثل في الانتقال من "تصنيع الموافقة" إلى "تصنيع الواقع"، حيث لم تعد الدعاية تهدف فقط إلى إقناع الجمهور بموقف محدد، بل إلى إنتاج بيئة إدراكية كاملة، تتكرر فيها الصور والمقاطع والرسائل إلى درجة تجعلها قادرة على تشكيل وعي الجمهور وسلوكه السياسي.

وتحذر الورقة من مستوى أكثر خطورة في حروب المعلومات، يتمثل في استهداف النماذج اللغوية الكبرى للذكاء الاصطناعي عبر ضخ محتوى موجه في الفضاء الرقمي، بما قد يؤثر في البيانات التي تتدرب عليها هذه النماذج، ويجعل مخرجاتها المعرفية منحازة لصالح سرديات معينة.

وفي ما يتعلق بمفهوم النصر، ترى الورقة أن جميع الأطراف أخفقت في تثبيت تعريف موحد له. فإيران ربطت النصر بالصمود وبقاء النظام والقدرة على الرد، وإسرائيل ربطته بدقة الضربات والاختراق الاستخباري واستهداف القيادات، بينما صوّرته الولايات المتحدة باعتباره وقفًا للمشروع النووي الإيراني وإجبار طهران على التفاوض.

وتولي الورقة أهمية خاصة للانعكاسات الإقليمية، وخصوصًا على الأردن ودول الجوار، معتبرة أن الدول الصغرى والمتوسطة تجد نفسها في موقع المتأثر لا الفاعل في معركة الروايات، إذ تتحول إلى هدف لتقاطع السرديات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية، من دون أن تكون بالضرورة طرفًا مباشرًا في الصراع.

وتدعو الورقة إلى تطوير قدرات وطنية مستقلة في رصد التضليل وبناء الرواية الذاتية، وعدم الاكتفاء برد الفعل على سرديات الأطراف الكبرى. كما توصي بإنشاء وحدات وطنية دائمة لرصد التضليل، والاستثمار في محو الأمية الإعلامية والرقمية، ومتابعة تأثير الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبرى في تشكيل المعرفة العامة، وتعزيز التعاون بين مراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية في الدول المتأثرة بالصراع.

وتختتم الورقة بالتأكيد أن الحرب القادمة ستُخاض أولًا في الإدراك، وأن النصر في حروب الجيل السادس لم يعد يُقاس بحصيلة الميدان وحدها، بل بالقدرة على فرض رواية مقنعة حول معنى ذلك النصر. فمن لا يملك روايته الخاصة، سيجد نفسه عاجلًا أم آجلًا داخل رواية غيره.


مدار الساعة ـ