مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

رسائل من المالية العامة


سلامة الدرعاوي

رسائل من المالية العامة

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

بعد كل أزمة إقليمية يطرح السؤال ذاته: هل صمد الاقتصاد الأردني أم تأثر؟ والإجابة لا تأتي من التوقعات أو الانطباعات، وإنما من الأرقام، وعند تفكيك نتائج الأداء المالي للنصف الأول من العام، تظهر مؤشرات تستحق الاهتمام؛ فهناك إيرادات تنمو، وإنفاق رأسمالي يتوسع، وعجز لا يزال يشكل تحدياً، لكنها مجتمعة توضح عدة رسائل.

وتشير بيانات الأداء المالي الأولي للمالية العامة حتى نهاية حزيران 2026 إلى أولى الرسائل المهمة، وهي أن الإيرادات المحلية أصبحت أكثر قدرة على النمو رغم الظروف الإقليمية، فقد ارتفعت الإيرادات المحلية إلى 4.720 مليار دينار مقارنة مع 4.669 مليار دينار حتى نهاية حزيران 2025، بزيادة بلغت 51.6 مليون دينار، كما ارتفعت بنحو 216 مليون دينار مقارنة مع 4.504 مليار دينار في الفترة نفسها من عام 2024، وما تعنيه هذه الأرقام أن النشاط الاقتصادي المحلي بدأ يستعيد زخمه تدريجياً، وأن الاقتصاد استطاع تعويض جانب من الآثار التي فرضتها التوترات الإقليمية خلال العامين الماضيين.

وتأتي الرسالة الثانية من الإيرادات الضريبية، التي بلغت حتى نهاية حزيران 2026 نحو 3.456 مليار دينار مقابل 3.402 مليار دينار في الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة 53.9 مليون دينار، والأهم من الرقم نفسه هو مصدره؛ إذ قادت ضريبة المبيعات هذا النمو بعدما ارتفعت إلى 2.177 مليار دينار مقارنة مع 2.113 مليار دينار، بزيادة 64.7 مليون دينار، وهذه الزيادة تعني أن الأسواق شهدت نشاطاً أكبر، خاصة في المبيعات المرتبطة بالمستوردات، بما يعكس تحسناً في حركة التجارة والاستهلاك.

أما ضريبة الدخل، فقد حملت رسالة مختلفة، إذ انخفضت حصيلتها حتى نهاية حزيران 2026 إلى 1.098 مليار دينار مقارنة مع 1.117 مليار دينار في الفترة نفسها من العام الماضي، بتراجع بلغ 19.6 مليون دينار، وهذا التراجع قد يعكس اختلافاً في توقيت التحصيل أو في أداء بعض القطاعات، ما يعني أن النمو الاقتصادي لم يكن متساوياً بين جميع الأنشطة الاقتصادية، وهو أمر يستحق المتابعة خلال النصف الثاني من العام.

كما أن ارتفاع إيرادات الجمارك إلى 129.5 مليون دينار مقارنة مع 123.3 مليون دينار، وارتفاع ضرائب بيع العقار إلى 52 مليون دينار مقارنة مع 49.3 مليون دينار حتى نهاية حزيران، يحملان دلالة على تحسن حركة الاستيراد واستمرار النشاط في سوق العقار، وإن كان بوتيرة معتدلة، وهي مؤشرات تتسق مع التحسن الذي أظهرته ضريبة المبيعات.

في المقابل، سجلت الإيرادات غير الضريبية تراجعاً طفيفاً، إذ بلغت 1.264 مليار دينار مقارنة مع 1.267 مليار دينار في الفترة نفسها من عام 2025، بانخفاض 2.3 مليون دينار فقط، وهو تراجع محدود لا يؤثر في الاتجاه العام للإيرادات المحلية.

أما المنح الخارجية فقد ارتفعت إلى 115.8 مليون دينار مقارنة مع 22.1 مليون دينار في الفترة نفسها من العام الماضي، وهو تطور إيجابي، لكنه يظل عاملاً مسانداً، بينما يبقى الاعتماد الأساسي على الإيرادات المحلية هو المؤشر الأكثر أهمية لقياس متانة المالية العامة.

وتبرز رسالة أخرى في النفقات الرأسمالية، التي ارتفعت حتى نهاية حزيران 2026 إلى 561.5 مليون دينار مقارنة مع 516.5 مليون دينار في الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة 45 مليون دينار، وبأكثر من 126 مليون دينار مقارنة مع 435.4 مليون دينار في الفترة نفسها من عام 2024، وهذا يعني أن الحكومة لم تلجأ إلى تأجيل المشاريع الاستثمارية رغم الضغوط المالية، لكن واصلت الإنفاق على المشاريع التنموية، في إشارة إلى أن تحفيز النمو ما زال يمثل أولوية في السياسة المالية.

ورغم هذه المؤشرات، فإن النفقات الجارية ارتفعت إلى 5.509 مليار دينار، وارتفعت مدفوعات الفائدة إلى 1.229 مليار دينار حتى نهاية حزيران 2026، وهو ما دفع إجمالي الإنفاق إلى 6.070 مليار دينار، لذلك اتسع العجز بعد المنح إلى 1.234 مليار دينار، فيما بلغ العجز قبل المنح 1.350 مليار دينار، وهذه الأرقام تؤكد أن التحدي لم يعد في زيادة الإيرادات فقط، وإنما في احتواء النمو المتواصل للنفقات، وخاصة كلفة خدمة الدين.

وبيانات شهر حزيران 2026 وحدها ايضاً تحمل مؤشراً يستحق المتابعة؛ فقد ارتفعت الإيرادات المحلية خلال الشهر إلى 649 مليون دينار مقابل 601.7 مليون دينار في حزيران 2025، كما ارتفعت ضريبة المبيعات إلى 350 مليون دينار مقابل 338.4 مليون دينار، وقد تكون هذه أول إشارة إلى أن هدوء الأوضاع في المنطقة بدأ ينعكس تدريجياً على النشاط الاقتصادي والتحصيل المالي، وهو ما سيظهر بشكل أوضح في نتائج النصف الثاني من العام إذا استمر هذا الاتجاه.

أخيرا مواصلة الأداء بهذا الشكل في ظل هذه الظروف المعقدة مؤشر مهم على قوة الإدارة المالية وحصافتها في خلق مرونة استثنائية قادرة على تجاوز المنعطفات الإقليمية بأقل الخسائر.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ