مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قصة عصرية الطراونة.. أول نحالة في جنوب الأردن (فيديو) (video)

مدار الساعة,Video,فيديو,أخبار الأردن,اخبار الاردن
مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - محمد الطراونة -في ساعات الفجر الأولى، كانت الحاجة الثمانينية عصرية الطراونة ترتدي زيها الخاص وتحمل أدواتها، متجهة نحو خلايا النحل قبل أن تستيقظ القرية بالكامل.

لم تكن تلك المشاهد مجرد طقوس يومية لامرأة تعمل في تربية النحل، بل بداية حكاية امتدت لعقود صنعت واحدة من أقدم التجارب العائلية في هذا المجال بمحافظة الكرك جنوب الأردن، ورسخت مهنة كانت تكاد تبقى حكرا على الرجال قبل أن تتحول إلى إرث تتناقله الأجيال.

لم تكن الجدة تتوقع أن الأحفاد الذين كانوا يراقبونها وهي تتحرك بين الخلايا بحذر وثقة، سيواصلون الطريق نفسه بعد سنوات، وأن المهنة التي بدأت بشغف بسيط ستتحول إلى قصة عائلية تتجاوز حدود الكرك، وصولا إلى مسابقات دولية رفعت اسم الأردن في المحافل العالمية.

أول نحالة في جنوب الأردن

تقول عائلة الشماعين، في حديث للجزيرة نت خلال زيارة إلى منزلها في الكرك، إن البدايات تعود إلى عام 1986، حين قررت الجدة عصرية الطراونة دخول عالم تربية النحل، لتصبح من أوائل النحالات المعروفات في إقليم الجنوب.

آنذاك لم تكن المهنة منتشرة على نطاق واسع، وكانت تعتمد على الخبرة المتوارثة أكثر من الاعتماد على التدريب الأكاديمي أو التقنيات الحديثة، لكن الجدة استطاعت أن تبني علاقة خاصة مع النحل، وأن تنقل معرفتها لأبنائها وأحفادها من خلال الممارسة اليومية.

المعرفة التي انتقلت بين الأجيال

لم يكن التعليم يتم داخل قاعات أو ورشات تدريب، بل وسط الحقول وبين الأشجار وأمام الخلايا. هناك تعلّم الأطفال كيف يقتربون من النحل دون خوف، وكيف يميزون بين مواسم الأزهار، ويدركون أهمية المحافظة على الخلية بوصفها نظاما بيئيا متكاملا، لا مجرد وسيلة لإنتاج العسل.
وتوضح العائلة أن الجدة كانت تؤمن بأن النحل يحتاج إلى الصبر أكثر مما يحتاج إلى القوة، لذلك حرصت على تعليم كل تفصيلة صغيرة بنفسها؛ من طريقة التعامل مع الخلية إلى كيفية استخراج العسل دون الإضرار بالنحل، وهي المعرفة التي أصبحت لاحقا الأساس الذي بنيت عليه تجربة العائلة.

ومع تقدمها في السن، لم تعد الحاجة عصرية الطراونة تقوى على الحديث المطول أو الظهور الإعلامي، مكتفية بمتابعة ما زرعته طوال عقود. وقد سلّمت الراية إلى ابنها مخلد الشماعين وحفيدها المهندس همام الشماعين، اللذين يرويان اليوم قصة إرث عائلي ما زال ينبض بين خلايا النحل.
مهنة عائلية ورسالة بيئية

مع مرور السنوات، انتقلت المسؤولية إلى الابن مخلد الشماعين، الذي لم يكتف بالحفاظ على ما أسسته والدته، بل عمل على تطوير المشروع وتوسيعه، مع التمسك بجوهر المهنة القائم على إنتاج العسل الطبيعي والاستفادة من التنوع النباتي الذي تتميز به البيئة الأردنية.

تكتسب تربية النحل في الأردن أهمية تتجاوز إنتاج العسل، إذ يشكل النحل ركنا أساسيا في تلقيح الأشجار والمحاصيل الزراعية، بما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي. كما تستفيد هذه المهنة من التنوع البيئي الذي تتمتع به المملكة، حيث تتنقل خلايا النحل بين المناطق تبعا لمواسم الإزهار، مما يمنح العسل الأردني خصائص مختلفة بحسب النباتات التي يتغذى عليها النحل.

وتشير بيانات رسمية إلى أن الأردن ينتج أنواعا متعددة من العسل تختلف في اللون والطعم والرائحة والخصائص تبعا للمراعي الطبيعية، في حين ما زالت نسبة الاكتفاء الذاتي من العسل المحلي تدور حول ربع حجم الاستهلاك، وهو ما يجعل تطوير هذا القطاع أولوية للعاملين فيه.
من خبرة الجدة إلى أدوات المهندس

مع دخول الجيل الثالث من العائلة بدأت مرحلة جديدة من تطوير المهنة. فالتحق المهندس همام مخلد الشماعين بالمشروع عام 2014، حاملا خلفيته الهندسية التي ساعدته على إدخال أساليب أكثر تطورا في إدارة المناحل وتحسين جودة الإنتاج، دون أن يقطع الصلة بالأسس التي أرستها جدته قبل عقود.

ورغم ما حققته العائلة لاحقا من حضور في مسابقات دولية، يؤكد القائمون على المشروع أن الجوائز لم تكن هدفا في حد ذاتها، بل جاءت نتيجة سنوات طويلة من المحافظة على جودة المنتج والالتزام بالممارسات الصحيحة في تربية النحل.
مناحل تدرّب الأطفال وتصل لمسابقات عالمية

أحد أبرز جوانب التجربة هو الحرص على نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة. ففي عام 2023 أطلقت العائلة مشروعا لتدريب الأطفال والناشئين على أساسيات تربية النحل، في محاولة للحفاظ على المهنة من الاندثار وإعادة ربط الأجيال الجديدة بالطبيعة والبيئة الزراعية.

ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت نتائج هذه المبادرة؛ إذ تمكن عدد من الأطفال المشاركين من تحقيق مراكز متقدمة في مسابقات دولية، كان آخرها إحراز المركز الثالث عالميا في مسابقة "النحال الصغير" التي أقيمت في العاصمة الروسية موسكو. وترى العائلة أن هذا الإنجاز يعكس أهمية الاستثمار في نقل المعرفة، لا الاكتفاء بحصرها داخل نطاق العائلة.
إرث يتجاوز الأسماء

تبقى قصة الشماعين نموذجا لما يمكن أن تصنعه المهن التقليدية عندما تتحول إلى جزء من هوية الأسرة. فهي ليست حكاية مناحل فقط، بل قصة امرأة بدأت العمل في زمن كانت فيه تربية النحل مهنة شاقة ونادرة بالنسبة للنساء، ثم عائلة آمنت بأن الإرث الحقيقي لا يورث بالاسم وحده، بل بالخبرة والعمل والصبر وتعليم الأجيال اللاحقة.
وفي وقت تواجه فيه كثير من المهن التقليدية خطر التراجع، تبدو تجربة الشماعين دليلا على أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل تطويره بما يواكب العصر مع الاحتفاظ بروحه الأولى. فمن خلية نحل أقامتها الجدة عصرية الطراونة في الكرك قبل نحو 4 عقود، انطلقت رحلة ما زالت مستمرة، تؤكد أن بعض القصص قد تبدأ بملعقة عسل، لكنها تنتهي بإرث عائلي يتوارثه الأبناء والأحفاد.


مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ