ربما كان السؤال الأكثر تداولاً بعد توجيه رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بإصدار مشروع نظام لضبط العمل الوزاري: لماذا تأخرنا كل هذه السنوات؟ ولماذا لم تتحول المبادئ الدستورية التي تمنع تضارب المصالح إلى قواعد تنفيذية واضحة وملزمة منذ عقود؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن هذه الخطوة تمثل تحولاً في فلسفة إدارة العمل الحكومي أكثر من كونها مجرد إصدار نظام جديد، فالأنظمة لا تُقاس بعدد موادها، وإنما بالرسائل التي تحملها، وبالثقافة التي تؤسس لها، وبقدرتها على تغيير سلوك الإدارة العامة.ومن يتابع أداء الدكتور جعفر حسان خلال الأشهر الماضية يدرك أن هذه الخطوة ليست معزولة عن النهج الذي يقود به الحكومة، لكن تأتي امتداداً لطريقة إدارة مختلفة عن تلك التي اعتادها الأردنيون في مراحل سابقة.فالرجل، رغم خبرته الطويلة في الدولة وشغله مواقع متعددة، يحمل معه من تجربته في الديوان الملكي أسلوباً يقوم على الإدارة المباشرة، والمتابعة اليومية، وقياس الأداء، وعدم الاكتفاء بالتوجيهات العامة، وهذا ما جعل كثيرين ينظرون إلى الحكومة وكأنها تعمل بسرعتين؛ الأولى يقودها رئيس الوزراء بنفسه بوتيرة عالية، من خلال متابعة الملفات والإشراف المباشر على تنفيذها، والثانية يمثلها جزء من الفريق الوزاري الذي ما يزال يتعامل مع الإدارة الحكومية بالأدوات التقليدية التي سادت سنوات طويلة.ولعل مشروع نظام ضبط العمل الوزاري يفسر جانباً من هذه الفلسفة؛ فهو لا يستهدف فقط منع تضارب المصالح، لكن يعيد تعريف وظيفة الوزير باعتبارها مسؤولية عامة تخضع لمعايير دقيقة في النزاهة والحياد والشفافية.ومنذ تشكيل الحكومة، ظهرت مجموعة من السمات التي تميز أسلوب رئيس الوزراء، أولها الابتعاد عن الاعتبارات المناطقية أو الشخصية في إدارة الدولة، والتعامل مع الملفات باعتبارها شأناً وطنياً لا يخضع للحسابات الضيقة، وثانيها التركيز على الإنجاز الملموس بالأرقام والنتائج، بعيداً عن الضجيج الإعلامي أو صناعة الصورة الشخصية، وهي سمة افتقدها الأردنيون في مراحل مختلفة حين كان الاهتمام ينصب أحياناً على تسويق الإنجاز أكثر من تحقيقه.كما كرس الوقت للعمل التنفيذي، وتقليل الانشغال بالمظاهر الاجتماعية أو الحضور الإعلامي المستمر، وهي مقاربة مختلفة عن أنماط عرفتها الحكومات السابقة، وفي الوقت ذاته، حافظ على علاقة مؤسسية مع مجلس الأمة، تقوم على احترام الدستور وتوزيع الصلاحيات، بعيداً عن الشعبوية أو بناء التحالفات على حساب المصلحة العامة.أما إعلامياً، فقد يكون رئيس الوزراء أقل الرؤساء اهتماماً بتسويق نفسه، فلا يظهر اهتماماً ببناء فريق إعلامي يدافع عنه أو يصنع له حضوراً يومياً، وربما يعود ذلك إلى المدرسة الإدارية التي تخرّج فيها، والتي تعطي الأولوية للإنجاز على حساب الظهور.لكن في المقابل، فإن نجاح أي رئيس حكومة لا يعتمد على أدائه الفردي وحده، لكن على قدرة الفريق الوزاري بأكمله على العمل بالإيقاع ذاته، وهنا يبرز التحدي الحقيقي؛ إذ إن الفجوة في الأداء بين رئيس الوزراء وبعض الوزراء أصبحت محل نقاش في الأوساط السياسية والإدارية، وهو ما يجعل أي أدوات جديدة لضبط الأداء والسلوك، وفي مقدمتها نظام ضبط العمل الوزاري، أكثر أهمية من أي وقت مضى.فهذا النظام لا يعالج فقط تضارب المصالح، لكن يبعث برسالة واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة ستقوم على قواعد أكثر صرامة في إدارة المسؤولية العامة، وأن بقاء الثقة مرتبط بالالتزام الكامل بالقانون والحياد والنزاهة.وربما لهذا السبب تحديداً، فإن مشروع النظام يمثل أكثر من مجرد تشريع جديد؛ إنه إعلان عن مرحلة مختلفة في الإدارة الحكومية، يكون فيها الوزير مسؤولاً أمام القانون وأمام الرأي العام بالقدر ذاته، ويصبح الأداء المؤسسي هو المعيار الحقيقي للاستمرار والنجاح، وإذا استكملت هذه الخطوة بتطوير أدوات تقييم الأداء والمساءلة، فإنها قد تشكل بداية فعلية لبناء نموذج حكومي أكثر كفاءة وشفافية، ويؤسس لمدرسة جديدة في إدارة رئاسة الوزراء، عنوانها الإنجاز أولاً، وسيادة القانون دائماً.