مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الهباهبة يكتب: هل الغذاء أصل كل الأمراض؟ قراءة بين 'نظام الطيبات' والطب الحديث


وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني

الهباهبة يكتب: هل الغذاء أصل كل الأمراض؟ قراءة بين 'نظام الطيبات' والطب الحديث

وليد الهباهبة
وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني
مدار الساعة ـ

في ساحة الوعي الصحي اليوم، يدور جدل فكري واسع بين رؤيتين تشغلان اهتمام الملايين؛ الأولى يمثلها "نظام الطيبات"، الذي يقوم على مفهوم "الجسد المستفَز"، والثانية يمثلها الطب التقليدي بما يستند إليه من أبحاث ودراسات علمية، وبين طرح "الطيبات" والمنهج الطبي، يبرز سؤال جوهري: أين تكمن الحقيقة؟ وأي الرؤيتين تقدم تفسيرًا أكثر دقة لأسباب المرض؟

ينطلق "نظام الطيبات" من ان الانسان وُلد بنظام تشغيل مثالي خالٍ من الأخطاء؛ فالجسد، وفقًا لهذا التصور، يولد سليمًا، وكل ما يعكر صفوه هو ما يدخل إليه من مؤثرات خارجية.

وبحسب هذه الرؤية، فإن كل لقمة نتناولها تحمل وجهين: نفعًا يمد الجسم بالطاقة، وضررًا يتمثل فيما تخلّفه من فضلات ومواد تُوصَف بأنها "سموم".

ويرى أصحاب هذا الطرح أن الجسم لا يتعامل مع الطعام باعتباره صديقًا، بل بوصفه جسمًا غريبًا يستدعي استجابات عصبية وهرمونية ومناعية، ومع الاستمرار في تناول الأطعمة المعقدة والتعرض للكيماويات والمبيدات، يبدأ ما يُسمى بالخلل أو الانسداد المعوي المزمن.

ويرى أنصار هذا النظام أن كثيرًا من أمراض العصر، بما فيها الأمراض المزمنة والسرطان، ليست سوى نتائج مترتبة على تدهور صحة الجهاز الهضمي، وأن التحاليل المخبرية ليست المرض ذاته، وإنما مؤشرات إلى أن الجسم يعيش حالة من الضغط ويحاول التكيف معها.

في المقابل، يرفض الطب التقليدي هذا التفسير ، ويؤكد أن الجسم البشري أكثر تعقيدًا من أن تُختزل أمراضه في الجهاز الهضمي وحده.

ويذهب الأطباء والباحثون إلى أن الجسم تطور عبر ملايين السنين ليصبح قادرًا على هضم الطعام والاستفادة منه بكفاءة، من خلال شبكة معقدة تضم الإنزيمات والميكروبيوم المعوي (البكتيريا النافعة).

ويقر الطب بأن جودة الغذاء تؤثر بصورة مباشرة في الصحة، كما يحذر من الاستخدام طويل الأمد لبعض أدوية الحموضة دون داعٍ طبي، لكنه يرفض تحميل اضطرابات الجهاز الهضمي وحدها مسؤولية الإصابة بالسكري أو أمراض القلب أو السرطان.

ومن المنظور الطبي، فإن المرض غالبًا ما ينشأ نتيجة تداخل عوامل متعددة، تشمل الوراثة، والبيئة، ونمط الحياة، والعوامل المناعية. كما تؤكد الدراسات السريرية وجود علاقة مباشرة بين بعض أنواع الغذاء والمؤشرات الحيوية؛ فمثلًا، يؤدي تناول الكربوهيدرات إلى ارتفاع مستوى سكر الدم، وهي علاقة مثبتة علميًا ولا يمكن تفسيرها بأنها مجرد استجابة عامة للضغط.

ورغم هذا الخلاف الفكري، فإن الرؤيتين تلتقيان عند نقاط مهمة. فكلاهما يحذر من الإفراط في تناول الأطعمة فائقة التصنيع، ومن التعرض للملوثات الكيميائية في الغذاء، كما يدعوان إلى ترشيد استخدام الأدوية والمضادات الحيوية، وعدم اللجوء إليها إلا عند الحاجة الطبية.

ويتفق الطرفان أيضًا على أن الاكتفاء بعلاج الأعراض دون البحث عن أسبابها قد لا يكون كافيًا، وأن النظرة الشمولية إلى الإنسان وصحته أكثر فاعلية من التعامل مع كل عرض بمعزل عن غيره.

غير أن نقطة الخلاف الأساسية تكمن في حجم الدور الذي يمنحه كل طرف للغذاء؛ فبينما يضع "نظام الطيبات" الغذاء في موقع المتهم الرئيس، بل والسبب الأساسي لمعظم الأمراض، يرى الطب التقليدي أنه عامل مهم، لكنه واحد من مجموعة كبيرة من العوامل التي تتداخل في نشوء المرض.

قد لا تلتقي الرؤيتان في تفسير أسباب المرض، لكنهما تتفقان على حقيقة لا خلاف عليها، وهي أن الغذاء عنصر أساسي في الحفاظ على الصحة.

ويبقى النهج الأكثر اتزانًا هو تجنب الانجراف وراء التفسيرات المطلقة، فالحكمة تكمن في تحسين جودة الغذاء، واتباع نمط حياة صحي، والاستفادة من المعارف الطبية القائمة، لأن الجسم البشري أكثر تعقيدًا من أن يفسره منظور واحد أو نظرية واحدة.

مدار الساعة ـ