مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

سناء الشعلان: سيرةٌ لا تُختزل في هوامش


أ.د. تحسين منصور
قسم الصحافة والإعلام والاتصال الرقمي – الجامعة الأردنية

سناء الشعلان: سيرةٌ لا تُختزل في هوامش

أ.د. تحسين منصور
أ.د. تحسين منصور
قسم الصحافة والإعلام والاتصال الرقمي – الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ

في زمنٍ تتراجع فيه الكلمة، وتتوارى فيه القيم الثقافية خلف ضجيج الشاشات، تظل بعض الأسماء الاستثنائية تنير الطريق كالقناديل التي لا تنطفئ. الدكتورة سناء كامل أحمد شعلان واحدة من تلك الأسماء التي لا تمر مرور الكرام على متصفحٍ ثقافي، فهي ليست مجرد أستاذة في الجامعة، ولا مجرد كاتبة تعرف طريقها إلى صفحات الجرائد، بل هي مشروع ثقافي متكامل، وإنسانة حملت همّ الكلمة بصدق وجعلت من إبداعها رسالة، ومن علمها منهجاً، ومن حضورها الثقافي وطناً لا تحدّه الحدود.

ولعلّ ما يجعل سيرة سناء الشعلان مثيرة للدهشة، أنها جمعت بين متناقضات تبدو ظاهرياً غير قابلة للجمع: فهي الأكاديمية التي نالت الدكتوراه بتقدير امتياز، والمبدعة التي حصدت أكثر من خمسين جائزة عربية ودولية، والمسرحية التي أخرجت نصها على خشبة المسرح، والصحفية التي ينتظر قرّاؤها عمودها الأسبوعي، والأستاذة الزائرة التي حطّت رحالها في جامعات أربع قارات: من الأردن إلى أمريكا، ومن الهند إلى الجزائر.

الجذور الأكاديمية: التفوق منهجاً لا مجرد شهادة

حين تطالع السيرة الذاتية لسناء الشعلان، يلفت انتباهك أولاً: ثلاث شهادات جامعية، وكلها بتقدير امتياز. هذا ليس تفوقاً عابراً، بل دأب منهجي يشي بإنسان لا يرضى لنفسه بغير الأفضل. الدكتوراه في اللغة العربية من الجامعة الأردنية، والماجستير في الأدب الحديث، والبكالوريوس من جامعة اليرموك... ثلاثة مسارات أكاديمية متتالية، وكأنها كانت تضع حجراً على حجر لتبني صرحاً علمياً راسخاً.

لكن سناء الشعلان لم تحبس علمها بين جدران القاعات الدراسية، بل حملته إلى جامعات العالم، فأصبحت أستاذة زائرة في جامعة كاليفورنيا، وجامعة جواهر لال نهرو في الهند، وجامعة اسطنبول، وجامعات معسكر ومصطفى اسطمبولي في الجزائر. لم تكتفِ بأن تكون طالبة، بل صارت معلّمة، ولم تكتفِ بأن تدرس، بل كرّست حياتها لنقل المعرفة العربية إلى الآخرين وتعليم العربية لغير الناطقين بها.

الإنتاج الأدبي: ورشة إبداع لا تتوقف

قراءة قائمة إصدارات سناء الشعلان تذكّرنا بواحدة من كاتبات عصر النهضة: روايات، مجموعات قصصية، كتب نقدية، مؤلفات منهجية، مسرحيات، ومشاركات في كتب جماعية. لقد تنوع إنتاجها بين "أعشقني" التي صدرت في ثلاث طبعات، و"قافلة العطش" التي تُرجمت إلى الإنجليزية والبلغارية، و"تراتيل الماء"، و"عام النمل"، و"الكابوس"، و"ناسك الصومعة"، وغيرها من العناوين التي تؤكد أنها كاتبة لا تعرف الكلل.

لكن الأكثر إثارة للإعجاب، أن إبداعها لم يكتفِ بالبقاء على رفوف المكتبات، بل دخل المناهج الأكاديمية في جامعات الأردن والجزائر والمغرب. قصصها تُدرّس، ورواياتها تُناقش، وأعمالها أصبحت موضوعاً لرسائل الماجستير في الجامعات العراقية والجزائرية والأردنية والهندية. وهذا يضعها في مصاف الكتّاب الذين تحوّلوا من مجرد مبدعين إلى مادة للدرس الأكاديمي.

المسرح: كتابة الجسد على خشبة الحياة

قلّما نجد كاتبة تجمع بين الرواية والقصة والنقد، وفي الوقت نفسه تكتب وتخرج المسرحيات. لكن سناء الشعلان فعلتها: كتبت ثماني مسرحيات، وأخرجت بعضها، وفازت بجوائز عن نصوصها المسرحية. مسرحيتها "يُحكى أن" فازت بجائزة أحسن نص مسرحي في مهرجان فيلادلفيا التاسع للمسرح العربي، ومسرحيتها "وجه واحد التنين ماطرين" حصدت جائزة الشهيد عبد الرؤوف الأدبية في القاهرة.

هذا التنوّع لا يشي فقط بموهبة، بل يشي برؤية: الكلمة عند سناء الشعلان ليست حبيسة الصفحة البيضاء، بل هي حيّة تتنفس على خشبة المسرح، وتتحول إلى ضوء وأصوات وحركة.

الجوائز: اعتراف المؤسسات بأصالة الإبداع

لا يحتاج المبدع الحقيقي إلى جوائز ليثبت وجوده، لكن الجوائز حين تأتي من متنوعات المؤسسات والبلدان فإنها تكون شهادة على أن الإبداع قد تخطى حدود الوطن الواحد.

حصدت سناء الشعلان أكثر من خمسين جائزة، من بينها:

• جائزة الشارقة للإبداع العربي (2006)

• جائزة الناصر صلاح الدين الأيوبي في القصة والرواية والمسرح

• جائزة صالح هلال الأدبية في القاهرة (2015)

• لقب واحدة من أنجح 60 امرأة عربية في استفتاء مجلة سيدتي (2008)

• نجمة السلام من منظمة السلام والصداقة الدولية في الدنمارك (2014)

لكن اللافت أنها رفضت ترشيحها لجائزة "أفضل مثقف أردني" عام 2013، في موقف يؤكد أن جوهرها النقدي يتجاوز منطق الجوائز إلى منطق القيمة.

الصحافة والكتابة العمودية: صوت لا ينقطع

لكاتبة مثقلة بالانشغالات الأكاديمية والإبداعية، قد تعتقد أن الصحافة مجرد هواية، لكن سناء الشعلان جعلت من الصحافة منبراً آخر للحضور. لها أعمدتها الثابتة في صحف ومجلات متعددة: الدستور الأردنية، التلغراف الأسترالية، النجاح الجزائرية، الجسرة الثقافية القطرية، وغيرها. وهذا يؤكد أنها ليست مجرد كاتبة نخبوية، بل صانعة رأي عام، وموجّهة للوعي الجمعي.

العضويات: 60 منظمة بين العربية والدولية

العضويات الواسعة في الهيئات الثقافية والأكاديمية والصحفية تشكّل خريطة حضور عالمية للدكتورة سناء الشعلان: رابطة الكتاب الأردنيين، اتحاد الكتاب العرب، اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، جمعية النقاد الأردنيين، المجلس العالمي للصحافة، هيئات تحرير في مجلات محكمة من الجزائر والعراق والهند والولايات المتحدة. إنها، ببساطة، أيقونة ثقافية عابرة للقارات.

ما وراء السيرة: لماذا سناء الشعلان مهمة اليوم؟

في زمن تُختزل فيه الشخصيات الثقافية في سير ذاتية سطحية، تقدم سناء الشعلان نموذجاً مغايراً: فهي الأكاديمية التي حملت العلم إلى أربع قارات، والمبدعة التي زرعت قصصها في مناهج جامعات عربية، والصحفية التي اختارت الكلمة مسؤولية، والمسرحية التي جعلت من المسرح منبراً إنسانياً.

لكن الأهم أنها امرأة لم تنتظر أن يُعترف بها، بل شقّت طريقها بصبر منهجي، وثبات أكاديمي، وشغف إبداعي لا ينضب.

خاتمة

سناء الشعلان ليست مجرد اسم في قائمة كتّاب الأردن، بل هي ظاهرة ثقافية تستحق أن تُقرأ، وأن تُدرس، وأن تُحتفى بها. في سيرتها تتجلى معاني الالتزام والإتقان والشغف. وفي إبداعها تتجلى قدرة الكلمة على فتح عوالم، وجسر مسافات، وتغيير وعي.

من يقرأ سناء الشعلان، لا يقرأ كاتبة فقط، بل يقرأ ورشة حياة.

مدار الساعة ـ