مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عندما لا يكفي الإصلاح.. ديمومة الحوكمة: البعد الغائب في فهم الإصلاح المؤسسي


د. ماهر دودين

عندما لا يكفي الإصلاح.. ديمومة الحوكمة: البعد الغائب في فهم الإصلاح المؤسسي

مدار الساعة ـ

هناك افتراض نادراً ما يُناقش في أدبيات الحوكمة، مع أنه الأساس الذي قامت عليه معظم برامج الإصلاح المؤسسي على مدى العقود الثلاثة الماضية: أن الإصلاح، إذا صُمم ونُفذ بشكل جيد، يقود بشكل شبه تلقائي إلى مؤسسات أكثر رسوخاً.

من هنا انشغلت الحكومات والمنظمات الدولية والباحثون بقياس جودة التشريعات وفعالية الأداء الحكومي وكفاءة الإدارة العامة، على اعتبار أن هذه المؤشرات تعكس نجاح الإصلاح.

المشكلة أن هذا الافتراض، رغم وجاهته الظاهرية، لا يفسر كثيراً مما نراه على أرض الواقع. لماذا تستمر دول في إعادة هيكلة أجهزتها كل بضع سنوات رغم برامج إصلاح متلاحقة وأداء جيد نسبياً؟ ولماذا تحافظ دول أخرى على استقرار مؤسسي ملحوظ رغم أن وتيرة إصلاحها ليست الأسرع؟ الإجابة، على الأرجح، ليست أن الإصلاح فشل، بل أن العلاقة بينه وبين استقرار المؤسسات أعقد بكثير مما اعتدنا التعامل معه.

ربما اعتدنا أن ننظر إلى الإصلاح كغاية في حد ذاته، بينما هو في الأصل وسيلة. تعديل قانون أو إنشاء هيئة أو دمج جهازين إداريين ليس هدفاً بذاته، والهدف الحقيقي هو أن تترسخ قواعد تستمر بعد رحيل الحكومة التي وضعتها، وتتجاوز الأشخاص الذين نفذوها. وحين لا يصل الإصلاح إلى هذه المرحلة، يبقى إنجازاً مرحلياً لا أكثر، مهما بدا كبيراً في حينه.

أعتقد أن هذا يستدعي إعادة ترتيب في أسئلة الحوكمة نفسها. سؤال "كيف نجعل المؤسسات أكثر كفاءة؟" ظل مهيمناً لعقود، وهو سؤال مشروع بالتأكيد، لكنه ليس كافياً وحده. السؤال الذي أراه غائباً هو: كيف نعرف أن مؤسسة ما أصبحت أكثر قدرة على الاستمرار مقارنة بعقد مضى؟ الفرق بين السؤالين ليس صياغياً، بل هو فرق في زاوية النظر بالكامل.

ديمومة الحوكمة

أسمي هذا البعد "ديمومة الحوكمة" (Governance Durability)، وأحتاج أن أوضح فوراً ما لا أقصده به: لا أقصد بقاء المؤسسات على حالها، ولا مقاومة التغيير، ولا أي شكل من أشكال الدفاع عن الجمود الإداري. مؤسسة لا تتغير هي مؤسسة تفقد قدرتها على مجاراة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية عاجلاً أم آجلاً. ما أقصده هو قدرة النظام المؤسسي على استيعاب موجات الإصلاح المتتالية دون أن يفقد في كل مرة ما راكمه سابقاً — أن تتحول الإصلاحات إلى قواعد مستقرة بدل أن تبقى حلقات منفصلة، تبدأ مع كل حكومة جديدة أو فترة زمنية محددة وتنتهي.

قد تكون دولة ما بارعة في تصميم السياسات وتنفيذها، وتملك جهازاً إدارياً كفؤاً بمقاييس الأداء المعتادة، لكنها في الوقت ذاته تعيد توزيع الاختصاصات وتعيد تشكيل هياكلها بوتيرة تمنع أي إصلاح من أن يتحول إلى ذاكرة مؤسسية راسخة. المشكلة هنا ليست في ضعف الأداء، بل في ضعف التراكم (ضعف تراكم انجاز الإصلاح) — وهذا فرق يسهل تجاهله لأن المؤشرات التقليدية لا تلتقطه أصلاً.

وهذا ما يميز المفهوم عن أفكار قريبة منه مثل فعالية الحكومة أو القدرة المؤسسية أو المرونة التنظيمية. تلك المفاهيم تجيب عن سؤال "كيف تعمل المؤسسات؟"، أما ديمومة الحوكمة فتسأل سؤالاً مختلفاً: كيف تحتفظ المؤسسات بما أنجزته بعد أن يتوقف برنامج الإصلاح عن كونه مشروعاً قائماً ويصبح جزءاً من بنيتها الدائمة؟ إنه سؤال زمني في جوهره، وهو بُعد لم يأخذ حقه من النقاش، رغم أنه قد يفسر جزءاً كبيراً من التفاوت بين تجارب الدول المختلفة.

فماذا يعني هذا عملياً؟

لست متأكداً أن التحدي الأكبر أمام الدول في السنوات القادمة هو إطلاق مزيد من برامج الإصلاح. أظن أن التحدي الفعلي هو بناء القدرة على الاحتفاظ بما تحققه هذه البرامج ضمن ذاكرتها المؤسسية. فالإصلاح الذي لا يترك خلفه مؤسسة أكثر استقراراً يبقى عرضة لأن يُعاد إطلاقه من الصفر مع كل تغيير حكومي أو تبدل في الأولويات السياسية — وكم من مبادرة أو برنامج رأيناه يتكرر بأسماء مختلفة كل بضع سنوات لأنها لم تترسخ فعلياً في المرة الأولى. أما الإصلاح الذي ينجح في التحول إلى قاعدة مستقرة، فيصبح جزءاً من تاريخ الدولة المؤسسي، لا مجرد محطة في مسيرتها.

ولهذا أرى أن السؤال الذي يستحق مكاناً أكبر في نقاش الباحثين وصناع السياسات ليس "كيف نُصلح المؤسسات؟" فقط، بل أيضاً: كيف نجعلها تحتفظ بإصلاحها؟ وكيف تكون ذلك جزءا صلباً في الذاكرة المؤسسية، في النهاية، المؤسسات لا تُقاس بما تنجزه اليوم وحده، بل بما تستطيع أن تحافظ عليه غداً ويبنى عليه أي مرحلة إصلاحية مستقبلية.

مدار الساعة ـ