مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: نواف الزرو.. رجل بحجم وطن


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: نواف الزرو.. رجل بحجم وطن

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

ثمة رجال لا يمكن اختصارهم في وظيفة، ولا في لقب أكاديمي، ولا حتى في قائمة طويلة من المؤلفات. رجال تتجاوز سيرتهم حدود التعريف المألوف، لأن حياتهم نفسها تتحول إلى نصّ مفتوح، وإلى وثيقة نضال ومعرفة وشهادة على العصر. ومن هؤلاء بلا شك الصديق الباحث والمؤرخ والإعلامي نواف الزرو، الذي أراه، كلما استعدت مسيرته، مؤسسةً كاملة تمشي على قدمين، تحمل في ذاكرتها تاريخًا، وفي عقلها مكتبة، وفي قلبها فلسطين.

عرفتُ كثيرًا من الكتّاب والباحثين، لكن قليلين هم الذين استطاعوا أن يجمعوا بين التجربة النضالية المباشرة والجهد الفكري الموسوعي كما فعل نواف الزرو. فالرجل لم يكتب عن فلسطين من وراء مكتب، ولم يتعامل معها بوصفها موضوعًا للبحث الأكاديمي فحسب، بل عاشها قضيةً يومية، وحملها همًّا شخصيًا وقوميًا وإنسانيًا. أحب فلسطين كما يحب الإنسان أمه الأولى؛ حبًا لا يعرف المساومة ولا التراجع، ولذلك جاءت كتاباته مشبعة بحرارة الانتماء وصدق التجربة.

في حياة نواف الزرو فصلٌ لا يمكن تجاوزه عند الحديث عنه؛ فهو أسير محرر أمضى أحد عشر عامًا كاملة في معتقلات الاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1968 و1979. أحد عشر عامًا ليست مجرد رقم في السيرة الذاتية، بل عمرٌ من الصبر والمواجهة واختبار الإرادة الإنسانية. دخل السجن شابًا يحمل حلم التحرير، وخرج منه أكثر رسوخًا في قناعته وأشد تمسكًا بقضيته.

كان محكومًا بالسجن المؤبد مدى الحياة بتهمة تنفيذ عمليات مسلحة في القدس وتل أبيب، لكن السجان الذي أراد أن يجعل من الأسر نهاية الطريق لم يدرك أن بعض الرجال يحولون الزنازين إلى مدارس. ففي سنوات الاعتقال أتقن نواف الزرو اللغة العبرية قراءة وكتابة ومحادثة وترجمة، ولم يتعامل معها باعتبارها لغة خصم فحسب، بل باعتبارها أداة لفهم العقل الصهيوني وآليات اشتغاله وخطابه السياسي والثقافي. وهكذا تحولت المعرفة لديه إلى شكل آخر من أشكال المقاومة.

وعندما خرج إلى الحياة العامة أسيرًا محررًا، لم يكتفِ بدور المناضل السابق، بل انخرط في معركة الوعي والتوثيق. عمل رئيسًا للقسم العبري ومديرًا لتحرير قسم الأبحاث والدراسات الفلسطينية – الإسرائيلية في جريدة الدستور الأردنية بين عامي 1990 و2011، وهي فترة شهدت تحولات سياسية كبرى في المنطقة، كان خلالها واحدًا من أبرز المتابعين للشأن الإسرائيلي والقادرين على قراءة ما وراء النصوص والخطابات. ثم واصل مسيرته في جريدة العرب اليوم بين عامي 2012 و2015، محافظًا على حضوره البحثي والإعلامي المتميز.

ولعل أهم ما يلفت النظر في تجربة نواف الزرو هو هذا الإصرار الاستثنائي على العمل الموسوعي. فالرجل لا يكتب مقالة عابرة أو دراسة محدودة فحسب، بل ينجز مشاريع فكرية ضخمة تحتاج إلى مؤسسات كاملة لإنجازها. ومن يتأمل قائمة مؤلفاته يدرك أنه أمام مشروع فكري متكامل، لا أمام جهود فردية متفرقة.

ففي موسوعة الهولوكوست الفلسطيني المفتوح: اختلاق إسرائيل وسياسة التطهير العرقي، التي صدرت طبعتها الأولى عام 2011 ثم أعيد إصدارها في طبعة ثانية عام 2022، قبل أن تُترجم إلى اللغة الإنجليزية عام 2023، قدّم قراءة واسعة لمسار المشروع الصهيوني وسياسات الاقتلاع والتهجير التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.

وفي موسوعة قراءات استراتيجية في مستقبل الصراع العربي الصهيوني الصادرة عام 2014، حاول استشراف مسارات الصراع وتحولاته، مستندًا إلى خبرة طويلة في متابعة الفكر والسياسة الإسرائيليين.

أما الموسوعة الفلسطينية الشاملة: مسيرة الكفاح الشعبي العربي الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني، الصادرة في مجلدين عام 2016، فقد جاءت أشبه بسجل تاريخي واسع يوثق مراحل طويلة من النضال الفلسطيني والعربي.

وفي موسوعة القدس والمقدسات من هرتزل حتى ترامب الصادرة عام 2018، تتجلى القدس بوصفها محورًا مركزيًا في مشروعه الفكري، إذ تتبع التحولات السياسية والفكرية التي استهدفت المدينة المقدسة منذ البدايات الأولى للحركة الصهيونية حتى السنوات المعاصرة.

ثم جاءت موسوعة ملحمة القرن في فلسطين: الإبادة الصهيونية ضد أطفال وأجيال فلسطين من النكبة 1948 إلى حرب الإبادة في غزة 2023-2025 في ثلاثة مجلدات بالعربية والإنجليزية، لتؤكد استمرار انشغاله بالتوثيق والتأريخ وكشف الجرائم الواقعة على الشعب الفلسطيني، وكأن الرجل يرفض أن يسمح للنسيان بأن ينتصر على الذاكرة.

لكن الحديث عن نواف الزرو لا يكتمل بالوقوف عند منجزه الفكري وحده؛ فثمة جانب إنساني لا يقل أهمية عن كتبه وأبحاثه. فمنذ عرفته في جريدة الدستور، ثم في رابطة الكتّاب الأردنيين، وبعد ذلك في مركز دراسات القدس، وجدته كما هو دائمًا: هادئًا، مبتسمًا، قريبًا من الناس، بعيدًا عن الادعاء والضجيج. يمتلك تلك القدرة النادرة على الجمع بين صلابة الموقف ولين المعشر، وبين عمق المعرفة وتواضع العالِم الحقيقي.

في زمن أصبح فيه كثيرون أسرى ذواتهم، ظل نواف الزرو وفيًا لأصدقائه. يحضر بينهم بمحبة صادقة، ويمنحهم من وقته واهتمامه ما يجعلهم يشعرون أنهم أمام أخ أكبر لا مجرد زميل أو باحث. لذلك أحبه أصدقاؤه كما أحبهم، وبقيت علاقاته الإنسانية امتدادًا طبيعيًا لقيمه الوطنية والأخلاقية.

حين أتأمل مسيرته اليوم، أرى فيها صورة لجيل كامل آمن بفلسطين قضيةً مركزية، ودفع ثمن هذا الإيمان سجنًا وملاحقةً وتعبًا وعمرًا. وأرى فيها كذلك مثالًا للمثقف الذي لم يكتفِ بالشعارات، بل حوّل المعرفة إلى فعل مقاومة، والكتاب إلى سلاح، والتوثيق إلى شكل من أشكال الدفاع عن الحقيقة.

نواف الزرو ليس مجرد باحث أو إعلامي أو مؤرخ؛ إنه شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين والأردن والمنطقة العربية. وهو واحد من أولئك الذين يتركون أثرهم في الذاكرة الوطنية كما تترك الأشجار العتيقة ظلها في الأرض؛ ثابتًا، ممتدًا، وعصيًا على الزوال.

مدار الساعة ـ