مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الدروبي يكتب: محرك نمو التعليم في رؤية التحديث الاقتصادي.. قراءةٌ نقديةٌ في سؤال الغاية قبل الوسيلة


عبدالله الدروبي

الدروبي يكتب: محرك نمو التعليم في رؤية التحديث الاقتصادي.. قراءةٌ نقديةٌ في سؤال الغاية قبل الوسيلة

مدار الساعة ـ

يجب أن نذكر في فاتحة الحديث أنَّ الخطط الوطنية الكبرى لا تُعدُّ وثائقاً تنظيميةً تُعنى بإدارة الحاضر فحسب، وإنما تمثل نصوصاً فكريةً تستبطن رؤية الدولة إلى الإنسان، وتستجلي ملامح المستقبل الذي ترتئي بلوغه، وتحدد طبيعة العلاقة بين التنمية والمجتمع والمعرفة. ومن هذا الباب نذكر أنَّ محرك نمو التعليم في رؤية التحديث الاقتصادي جاء ليحتل موقعاً محورياً في مشروع التحديث الوطني، انطلاقاً من قناعةٍ مؤداها أنَّ بناء الاقتصاد يبدأ ببناء الإنسان، وأنَّ الاستثمار في المعرفة أضحى أسبق من الاستثمار في الموارد التقليدية. غير أنَّ هذا التصور، على ما ينطوي عليه من وجاهةٍ وطموح، يقتضي قراءةً نقديةً تستجلي منطلقاته، وتستظهر حدوده، وتستبين مدى قدرته على إحداث التحول المنشود.

ولا يخفى على ذي بصيرة أنَّ الرؤية انطلقت من افتراضٍ جوهريٍّ مؤداه أنَّ جودة التعليم تمثل الرافعة الرئيسة للنمو الاقتصادي، وأنَّ الاقتصاد الحديث لم يعد يقوم على وفرة الموارد الطبيعية بقدر ما يقوم على المعرفة والابتكار ورأس المال البشري. وغنيٌّ عن البيان أنَّ هذا الافتراض يجد ما يؤيده في الأدبيات الاقتصادية المعاصرة، إذ استقرَّ الرأي على أنَّ الدول التي أحسنت الاستثمار في التعليم استطاعت أن تؤسس اقتصاداتٍ أكثر تنافسيةً وقدرةً على الابتكار. غير أنَّ الفاحص لهذا الطرح يدرك أنَّ تحويل التعليم إلى أداةٍ اقتصاديةٍ محضة قد يفضي إلى تضييق رسالته الحضارية، لأنَّ التعليم لم يُنشأ ليكون مصنعاً للوظائف فحسب، وإنما ليكون فضاءً لبناء العقل، وصقل الشخصية، وترسيخ منظومة القيم، وتكوين المواطن القادر على ممارسة مسؤوليته الفكرية والاجتماعية.

وعند إمعان النظر يتبين أنَّ الرؤية أولت مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل عنايةً كبيرةً، وهو توجهٌ ينسجم مع طبيعة التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم. وممَّا يؤكد ذلك تركيزها على المهارات الرقمية، وريادة الأعمال، والتعلم المستمر، والقدرات المستقبلية التي أصبحت شرطاً للمنافسة في الاقتصاد المعرفي. غير أنَّ مقتضى ذلك لا ينبغي أن يحمل المؤسسات التعليمية على الارتهان الكامل لمتطلبات السوق، لأنَّ السوق بطبيعته متغيرٌ، سريع التحول، بينما تظل رسالة التعليم أوسع مدىً وأبعد أثراً. ومن ثَمَّ فإنَّ الجامعة، والمدرسة، وسائر المؤسسات التعليمية لا ينبغي أن تكتفي بإعداد أفرادٍ قادرين على شغل وظائف قائمة، وإنما يتعين عليها إعداد عقولٍ قادرةٍ على ابتكار وظائف لم توجد بعد، وصناعة أسواقٍ لم تتشكل بعد، والتعامل مع تحدياتٍ لم تظهر ملامحها كاملةً.

ومن القمين ذكره أنَّ الاقتصار على مواءمة التعليم مع الواقع الاقتصادي قد يجعل المؤسسة التعليمية أسيرةً للحاضر، في حين أنَّ رسالتها الحقيقية تتمثل في استشراف المستقبل وصناعته. فالوظائف تتغير، والتقنيات تتبدل، والمهن تزول وتظهر، أما القدرة على التفكير الناقد، والتحليل، والإبداع، والتعلم الذاتي، فهي مهاراتٌ تبقى ما بقي الإنسان قادراً على التطور. وإذا تقرر هذا، أمكن القول إنَّ جودة التعليم لا تُقاس بمدى سرعة اندماج الخريج في سوق العمل فحسب، وإنما تُقاس أيضاً بقدرته على إعادة تشكيل هذا السوق، والإسهام في تطويره، وإنتاج المعرفة التي يقوم عليها.

وممَّا يستوقف الناظر أنَّ الرؤية أولت التحول الرقمي مساحةً واسعةً، وعدَّته مدخلاً أساسياً لتحديث التعليم. ولا مرية في أنَّ توظيف التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وتحليلات البيانات، والبيئات التعليمية الرقمية، يمثل ضرورةً تفرضها طبيعة العصر. غير أنَّ التقنية، مهما بلغت من التطور، تظل وسيلةً لا غايةً، وأداةً لا فلسفةً. وهذا الأمر يتلامج بجلاء في كثيرٍ من تجارب الإصلاح التعليمي التي انشغلت بتحديث الوسائل، وأغفلت تحديث الفكر التربوي الذي يحكم استخدامها. فالمنصات الرقمية لا تُنتج تعليماً متميزاً بمجرد وجودها، والذكاء الاصطناعي لا يصنع عقلاً ناقداً بمجرد إدخاله إلى الصفوف الدراسية، وإنما مناط الأمر كلِّه يكمن في الفلسفة التي تُوجِّه توظيف هذه الأدوات، والغاية التي يُراد تحقيقها من خلالها.

وفضلاً عن ذلكم المنحى، فإنَّ القراءة المتأنية لمحرك نمو التعليم تكشف عن إشكاليةٍ أخرى لا تقل أهميةً عن سابقتها، تتمثل في الخلط بين تحديث التعليم وتحديث أدواته. فكم من نظامٍ تعليميٍّ اقتنى أحدث التقنيات، ورقمن إجراءاته، ووسع نطاق التعليم الإلكتروني، ثم لم يلبث أن اكتشف أنَّ جوهر العملية التعليمية لم يتغير، لأنَّ الفلسفة التي تحكمها بقيت أسيرة التلقين، وإعادة إنتاج المعرفة، وقياس التحصيل بالحفظ والاستظهار. وعليه ينبني القول إنَّ تحديث الوسائل لا يُفضي بالضرورة إلى تحديث التعليم، ما لم يسبقه تحولٌ في فلسفة التعلم، وفي طبيعة العلاقة بين المعلم والمتعلم، وفي مفهوم المعرفة ذاته.

ومن الجلي للناظر أنَّ المعرفة في العصر الراهن لم تعد تُقاس بكمية المعلومات التي يمتلكها الفرد، وإنما بقدرته على استثمارها، وتحليلها، ونقدها، وإعادة إنتاجها في صورٍ جديدة. ومن هذا الوجه يغدو التعليم الحقيقي تعليماً يُنمِّي ملكة التفكير قبل أن يُكثِّر من رصيد المعلومات، ويُعلي من شأن الإبداع قبل الاستظهار، ويجعل المتعلم شريكاً في إنتاج المعرفة بعد أن ظل زمناً طويلاً متلقياً لها. وإذا تقرر هذا، أمكن القول إنَّ نجاح محرك نمو التعليم يظل رهيناً بقدرته على الانتقال من ثقافة التعليم إلى ثقافة التعلم، ومن مركزية المعلم إلى مركزية المتعلم، ومن حفظ المعرفة إلى بنائها.

وقد يكون من الجدير ذكره أنَّ الحديث عن إصلاح التعليم لا يستقيم إذا انصرف الاهتمام إلى المناهج والتقنيات، وأُغفل العنصر الذي تدور عليه العملية التعليمية بأسرها، ألا وهو المعلم. وغنيٌّ عن البيان أنَّ المعلم ليس ناقلاً للمعرفة، وإنما صانعٌ لها، وموجِّهٌ لمسارها، وميسرٌ لاكتسابها. ومن ثَمَّ فإنَّ الاستثمار في التنمية المهنية للمعلمين لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه برنامجاً تدريبياً عارضاً، وإنما مشروعاً وطنياً مستداماً، تُبنى عليه سائر مشروعات الإصلاح. فالمناهج قد تُعدَّل، والتقنيات قد تُستحدث، أما المعلم فهو الذي يمنح تلك الأدوات قيمتها، ويُحسن توظيفها، ويحولها من وسائل جامدة إلى خبراتٍ تعليميةٍ حيَّة.

ومما يحسن التنبيه عليه أنَّ الجامعات تمثل الحلقة الأكثر حساسيةً في هذا التحول، لأنها المؤسسات التي تتولى إعداد الكفاءات، وإنتاج المعرفة، وقيادة البحث العلمي. غير أنَّ الاقتصار على النظر إلى الجامعة بوصفها مؤسسةً لإعداد القوى العاملة يفضي إلى تقليص رسالتها الحضارية، ويجعلها تابعةً لمتغيرات السوق بدلاً من أن تكون مؤثرةً فيها. ولا مرية في أنَّ الجامعة التي تفقد استقلالها الفكري، وتتخلى عن رسالتها البحثية، يصعب عليها أن تحافظ على قدرتها في الابتكار، لأنَّ الابتكار لا ينشأ في البيئات التي تكتفي بإعادة إنتاج المعرفة، وإنما في البيئات التي تُشجع التساؤل، وتحتضن الاختلاف، وتُعلي من قيمة البحث الحر.

ويرى الفاحص أنَّ أحد مواطن القوة في رؤية التحديث الاقتصادي يتمثل في إدراكها أهمية التكامل بين التعليم والاقتصاد وسوق العمل، غير أنَّ هذا التكامل ينبغي ألا يُفهم على أنه تبعيةٌ كاملةٌ للتعليم تجاه الاقتصاد، وإنما شراكةٌ متوازنةٌ يُسهم فيها التعليم في تشكيل الاقتصاد، كما يُسهم الاقتصاد في دعم التعليم. ومفاد ذلك أنَّ العلاقة بينهما علاقةُ تأثيرٍ متبادل، لا علاقةُ تابعٍ بمتبوع، لأنَّ الاقتصاد الذي لا يستند إلى منظومةٍ تعليميةٍ راسخةٍ يظل عاجزاً عن تحقيق الاستدامة، كما أنَّ التعليم الذي ينفصل عن قضايا التنمية يفقد كثيراً من أثره المجتمعي.

ومن النتائج اللافتة لهذا الموضوع أنَّ نجاح أي رؤيةٍ تعليميةٍ لا يُقاس بحجم الإنفاق، ولا بعدد المبادرات، ولا بسرعة الإنجاز، وإنما بمدى قدرتها على بناء الثقة. فالثقة هي الرصيد الحقيقي الذي تقوم عليه المنظومات التعليمية؛ ثقة الطالب في عدالة التعلم، وثقة المعلم في السياسات التعليمية، وثقة الأسرة في المدرسة، وثقة المجتمع في الجامعة، وثقة أصحاب العمل في كفاءة الخريج. ومتى استقرت هذه الثقة، استقر معها البناء التعليمي، وأصبح أكثر قدرةً على التطور الذاتي.

وعند التأمل المتأني يتبين أنَّ التحدي الأكبر الذي قد يواجه محرك نمو التعليم لا يكمن في صياغة الاستراتيجيات، وإنما في حسن تنفيذها، لأنَّ الوثائق، مهما بلغت من الإحكام، لا تصنع تحولاً ما لم تتحول إلى ثقافةٍ مؤسسيةٍ، وممارساتٍ يوميةٍ، وقناعةٍ راسخةٍ لدى جميع الأطراف المعنية. وهو ما يقتضي الوقوف عنده، لأنَّ كثيراً من مشروعات الإصلاح التعليمي تعثرت لا لقصورٍ في أهدافها، وإنما لضعف إدارة التغيير، وغياب المتابعة، وتفاوت القدرات المؤسسية على التنفيذ.

وقبل الختام، لا بد من الإشارة في هذا المضمار إلى أنَّ القيمة الحقيقية لمحرك نمو التعليم لا تتحدد بمدى إسهامه في تحسين المؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما بقدرته على إعادة الاعتبار لفلسفة التعليم بوصفه مشروعاً حضارياً لبناء الإنسان. فالاقتصاد القوي ثمرةٌ من ثمار التعليم، وليس غايته النهائية، والتنمية المستدامة تبدأ من العقل قبل أن تبدأ من رأس المال، ومن المعرفة قبل أن تبدأ من الإنتاج.

ونجد في قفل هذا المسار أنَّ السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في كل مشروعٍ للإصلاح ليس: كيف نُحدِّث التعليم؟ وإنما: أيُّ إنسانٍ نريد أن يصنعه هذا التعليم؟ فإذا كان المقصود إنساناً يمتلك العقل الناقد، والخلق القويم، والقدرة على الإبداع، والاستعداد للتعلم مدى الحياة، فإنَّ محرك نمو التعليم يكون قد اقترب من غايته الحضارية. أمَّا إذا انحصر همه في تلبية الاحتياجات الاقتصادية الآنية، فإنه، وإن حقق بعض النجاحات، سيظل بعيداً عن تحقيق النهضة التعليمية بمعناها العميق. وخلاصة ما انتهى إليه النظر أنَّ التعليم لا يُقاس بما يمنحه من شهادات، وإنما بما يصنعه من عقول، ولا بما يضيفه إلى الاقتصاد من أرقام، وإنما بما يورثه للوطن من إنسانٍ قادرٍ على صناعة المستقبل، وحمل رسالة التنمية، وصيانة الهوية، وتجديد الحضارة.

مدار الساعة ـ