من خلال عملي كمحامية، ورئيسة لجمعية تُعنى بحقوق المرأة ومن واقع القضايا التي تعرض عليّ بشكل يومي، أجد أن من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المجتمع الأردني هي قضايا الميراث، لا من الناحية القانونية، وإنما من الناحية الاجتماعية والنفسية التي تحيط بها.
ففي كثير من الحالات، لا تبدأ المشكلة من نص قانوني غامض أو من نزاع قضائي معقد، وإنما من شعور داخلي لدى بعض النساء بأن مجرد المطالبة بحقهن في الإرث قد يُفسَّر على أنه تصرف غير مقبول اجتماعيًا، أو أنه سبب لإثارة الخلافات داخل الأسرة.وهنا تظهر مفارقة لافتة تستحق الوقوف عندها: لماذا تُوضع المرأة في موقع الملامة عندما تطالب بحق كفله لها الشرع والقانون، بينما لا يُطرح السؤال ذاته على الطرف الذي يحرمها من هذا الحق أو يؤخر تسليمه؟إن أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية، والتي يعتمد عليها التشريع الأردني، هي أحكام قطعية ومحددة لا تخضع للاجتهاد أو المجاملة أو التقدير الشخصي، بل هي حقوق ثابتة تنتقل بمجرد تحقق أسبابها الشرعية والقانونية.ومع ذلك، فإن الواقع العملي يكشف عن وجود حالات يتم فيها دفع بعض النساء إلى التنازل عن حقوقهن الإرثية تحت ضغط اجتماعي أو عائلي، أو تحت تأثير اعتبارات الحفاظ على العلاقات الأسرية، أو بدافع تجنب النزاع.ولا تكمن الإشكالية هنا في وجود هذه الضغوط فقط، بل في تحولها في بعض الأحيان إلى مبررات اجتماعية تُقدَّم للمرأة على أنها "فضيلة"، في حين أن المطالبة بالحق تُصوَّر وكأنها خروج عن المألوف أو مساس بروابط العائلة.ومن الناحية القانونية، فإن الحق في الإرث ليس حقًا اختياريًا يمنح أو يُمنع وفق الرضا الاجتماعي، بل هو حق مقرر بحكم القانون والشريعة، ولا يسقط إلا وفق أسباب قانونية واضحة ومحددة، وليس نتيجة ضغوط معنوية أو اجتماعية غير موثقة.كما أن التجربة العملية في المحاكم تُظهر أن جزءًا من النزاعات المتعلقة بالإرث كان يمكن تفاديه لو تم التعامل مع الموضوع منذ البداية بوصفه مسألة حقوق قانونية واضحة، وليس مسألة اجتماعية قابلة للتفاوض أو التنازل غير الواعي.إن الحفاظ على العلاقات الأسرية لا ينبغي أن يكون على حساب الحقوق القانونية، كما أن حماية الحق لا تعني بالضرورة قطع الروابط، وإنما تعني تنظيم هذه الحقوق ضمن إطار قانوني عادل وواضح يضمن لجميع الأطراف حقوقهم وواجباتهم.وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعزيز الوعي القانوني لدى النساء حول طبيعة حقوقهن الإرثية، وآليات المطالبة بها، والآثار القانونية لأي تنازل يتم دون إدراك كامل لنتائجه.إن العدالة لا تتحقق فقط من خلال وجود نصوص قانونية، بل من خلال وعي الأفراد بحقوقهم، وقدرتهم على ممارستها دون خوف أو ضغط أو شعور بالذنب.وفي الختام، يبقى السؤال الذي يستحق النقاش المجتمعي الهادئ:هل المشكلة فعلًا في مطالبة المرأة بحقها في الإرث… أم في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى هذه المطالبة؟عوّاد تكتب: ليس أصعب من حرمان المرأة من إرثها.. إلا إقناعها بأن المطالبة به عيب
مدار الساعة ـ