ليست السردية الوطنية نصًا يُكتب، ولا خطابًا يُلقى، ولا حملة إعلامية تنتهي بانتهاء موسمها. إنها الذاكرة التي تحفظ للأمة روايتها، والإطار الذي يفسر نشأة الدولة، ويمنح الأجيال معنى الانتماء، ويصوغ العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. ولذلك، فإن الدول الراسخة تتعامل مع سردياتها بوصفها جزءًا من أمنها الثقافي، لا بوصفها مادة للنقاش العابر.
في الأردن، خرج مفهوم السردية الأردنية إلى الفضاء العام بقوة، وكان من المفترض أن يشكل ذلك فرصة لإطلاق حوار وطني عميق حول تاريخ الدولة وتطور مؤسساتها وهوية مجتمعها. لكن ما حدث في كثير من الأحيان هو العكس؛ إذ تحولت السردية إلى مصطلح رائج، يتداوله الجميع، ويعيد كل طرف تعريفه وفق رؤيته وموقعه ومصلحته، حتى أصبح المفهوم نفسه مهددًا بالتشظي.إن أخطر ما يواجه أي سردية وطنية ليس النقد، بل الابتذال. فالابتذال يبدأ عندما تتحول المفاهيم المركبة إلى شعارات سهلة التداول، وعندما يصبح الحضور الإعلامي بديلًا عن المعرفة، وعدد المتابعين بديلًا عن التخصص، والانطباعات الشخصية بديلًا عن البحث العلمي.السردية الأردنية ليست ملكًا للمؤرخ وحده، لكنها أيضًا ليست ساحة مفتوحة للاجتهاد غير المنهجي. فهي تتقاطع مع التاريخ، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية، والاقتصاد، والإعلام. ومن هنا، فإن بناءها أو تفسيرها يحتاج إلى جهد تراكمي يقوده الباحثون وأصحاب الاختصاص، ويشارك فيه المجتمع بوعي ومسؤولية، لا أن يُختزل في سجالات موسمية أو مقاطع قصيرة على منصات التواصل.لقد أفرزت منصات التواصل واقعًا جديدًا، منحت فيه الجميع حق التعبير، وهو حق مشروع، لكنها في الوقت نفسه أوحت بأن كل الآراء متساوية في القيمة العلمية. وهنا تكمن الإشكالية؛ فليس كل من تحدث عن السردية أصبح خبيرًا بها، وليس كل من امتلك منصة إعلامية امتلك أدوات إنتاج المعرفة.إن إقصاء أصحاب الاختصاص عن قيادة النقاش لا يضر الباحثين بقدر ما يضر الوطن نفسه. فحين يغيب المؤرخ، يتقدم الراوي. وحين يغيب الباحث، يتصدر المؤثر. وحين يتراجع المنهج العلمي، تزداد مساحة الانطباعات والاصطفافات. وعندها لا تصبح السردية مشروعًا لبناء الهوية، بل تتحول إلى ساحة للتنافس على احتكار تمثيل الوطن.ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: من يتحدث عن السردية الأردنية؟ بل: من يملك الأدوات العلمية لإنتاجها وتطويرها؟ فالسردية ليست رواية جامدة، وإنما مشروع معرفي متجدد، يعيد قراءة التجربة الأردنية بموضوعية، ويحتفي بالإنجاز، ويعترف بالتحديات، ويستند إلى الوثيقة قبل العاطفة، وإلى الدليل قبل الخطابة.إن الأردن، وهو يدخل مئويته الثانية، يحتاج إلى مشروع وطني متكامل لإدارة السردية الوطنية، تشارك فيه الجامعات، ومراكز الدراسات، والمؤرخون، والمثقفون، والإعلام المهني، ليصبح النقاش حول الهوية نقاشًا معرفيًا لا سجالًا إعلاميًا. فالسرديات الكبرى لا تُصنع في لحظة انفعال، ولا تُدار بمنطق "الترند"، بل تُبنى عبر عقود من البحث والتوثيق والحوار.إن حماية السردية الأردنية لا تعني احتكارها، وإنما تعني صونها من التسطيح. ولا تعني إغلاق باب النقاش، بل تنظيمه على أسس علمية تضمن أن يبقى صوت المعرفة أعلى من ضجيج المنصات.فالأوطان التي تفقد بوصلتها السردية، تفقد تدريجيًا قدرتها على تفسير ذاتها. أما الأوطان التي تحسن كتابة روايتها، فإنها تضمن أن يقرأها أبناؤها والعالم كما هي، لا كما يريد الآخرون أن تكون.الزيود يكتب: السردية الأردنية.. بين صناعة الوعي واستهلاك 'الترند'
غسان الزيود
أمين سر المجلس المركزي للحزب الوطني الإسلامي
الزيود يكتب: السردية الأردنية.. بين صناعة الوعي واستهلاك 'الترند'
غسان الزيود
أمين سر المجلس المركزي للحزب الوطني الإسلامي
أمين سر المجلس المركزي للحزب الوطني الإسلامي
مدار الساعة ـ