أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
أبو زيد يكتب عن غازي عليان..

أبو زيد يكتب عن غَازِي عَلْيَان.. لِي مَعَهُ حِكَايَةٌ أُخْرَى


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب عن غَازِي عَلْيَان.. لِي مَعَهُ حِكَايَةٌ أُخْرَى

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ

مَا أَصْعَبَ أَنْ يَكْتُبَ الْإِنْسَانُ عَنْ صَدِيقٍ يُحِبُّهُ؛ فَالْقَلَمُ عِنْدَئِذٍ لَا يَكْتُبُ بِالْحِبْرِ، بَلْ بِالذَّاكِرَةِ، وَلَا يَسِيرُ عَلَى الْوَرَقِ، بَلْ عَلَى مَوَاقِفٍ لَا تَشِيخُ، وَذِكْرَيَاتٍ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهَا الزَّمَنُ ازْدَادَتْ بَهَاءً.

وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْتُبَ عَنْ سَعَادَةِ النَّائِبِ السَّابِقِ غَازِي عَلْيَان كَمَا كَتَبَ كَثِيرُونَ؛ فَسَيَرْوُونَ رِحْلَةَ كِفَاحِهِ، وَسَيَتَحَدَّثُونَ عَنْ نَجَاحِهِ فِي الْأَعْمَالِ، وَعَنْ تَجْرِبَتِهِ السِّيَاسِيَّةِ، وَعَنْ مَا بَلَغَهُ مِنْ مَكَانَةٍ. وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ لَا يُنْكَرُ.

أَمَّا أَنَا… فَلِي مَعَهُ حِكَايَةٌ أُخْرَى.

حِكَايَةُ رَجُلٍ عَلَّمَنِي أَنَّ الرِّجَالَ لَا تُقَاسُ بِمَا يَمْلِكُونَ، بَلْ بِمَا يُهْدُونَهُ لِمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ، وَأَنَّ الثَّرْوَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ مَا يَسْكُنُ الْحِسَابَاتِ، بَلْ مَا يَسْكُنُ الْقُلُوبَ.

عَرَفْتُ غَازِي عَلْيَان مُنْذُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ فَقَطْ، وَلَكِنَّ الْفَلَاسِفَةَ اخْتَلَفُوا طَوِيلًا فِي تَعْرِيفِ الزَّمَنِ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ تَعْرِيفًا آخَرَ؛ الزَّمَنُ لَيْسَ عَدَدَ السِّنِينَ، بَلْ عَدَدُ الْمَوَاقِفِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي يَغْرِسُهَا إِنْسَانٌ فِي ذَاكِرَتِكَ. فَهُنَاكَ مَنْ تَعْرِفُهُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَا تَعْرِفُ مِنْهُ إِلَّا اسْمَهُ، وَهُنَاكَ مَنْ يَخْتَصِرُ الْعُمْرَ كُلَّهُ فِي أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، حَتَّى تَشْعُرَ أَنَّكَ وُلِدْتَ وَهُوَ أَخُوكَ.

وَمَا لَفَتَنِي فِيهِ أَنَّهُ يَحْمِلُ بَسَاطَةً لَا تُشْبِهُ السَّذَاجَةَ، وَهُدُوءًا لَا يُشْبِهُ الضَّعْفَ، وَابْتِسَامَةً تَدْخُلُ الْقُلُوبَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا كَلَامُهُ. فَهُوَ جَمِيلُ الْمُحَيَّا، مُشْرِقُ الْوَجْهِ، طَلْقُ الْمُحَيَّا، وَلَكِنَّ جَمَالَهُ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي رُوحٍ تَعْرِفُ كَيْفَ تُحِبُّ النَّاسَ دُونَ تَكَلُّفٍ، وَكَيْفَ تَحْتَضِنُهُمْ دُونَ ضَجِيجٍ.

وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ الصَّدَاقَةَ لَقَبًا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةً. فَعِنْدَهُ يَرْتَقِي الصَّدِيقُ إِلَى مَنْزِلَةِ الْأَخِ، وَيَرْتَقِي الْأَخُ إِلَى مَنْزِلَةِ الرَّفِيقِ، ثُمَّ تَذُوبُ الْمُسَمَّيَاتُ كُلُّهَا، وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْوَفَاءُ.

شَهِدَ أَفْرَاحِي كُلَّهَا، وَكَأَنَّهَا أَفْرَاحُهُ، وَحَضَرَ مُنَاسَبَاتِ أَبْنَائِي وَبَنَاتِي، وَكَانَ فِي زِفَافِهِمْ، وَفَرِحَ بِحَفِيدِي فَرَحَ الْأَقَارِبِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَعَثَّرَتْ بِهَا خُطُوَاتِي، وَجَدْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَلْتَفِتَ، كَأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّدَاقَةَ فِعْلٌ يُمَارَسُ، لَا كَلِمَةٌ تُقَالُ.

وَحِينَ مَرِضْتُ، لَمْ يَكُنْ حُضُورُهُ زِيَارَةً عَابِرَةً، بَلْ كَانَ رِسَالَةً تَقُولُ: «لَسْتَ وَحْدَكَ.» وَأَحْيَانًا تَخْتَصِرُ جُمْلَةٌ صَامِتَةٌ مَا تَعْجِزُ عَنْهُ خُطَبٌ طِوَالٌ.

وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَادِلًا مَعَ النَّاسِ. فَغَازِي عَلْيَان لَا يُصَدِّقُ الْوِشَايَاتِ، وَلَا يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى هَمْسِ الْمَجَالِسِ. يُدَقِّقُ، وَيُمَحِّصُ، وَيَسْتَمِعُ، وَيُعْطِي الْفُرَصَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ، وَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى مَوْقِفٍ، اتَّخَذَهُ بِأَدَبٍ، دُونَ أَنْ يُسِيءَ، أَوْ يُشَهِّرَ، أَوْ يَنْسَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُخْطِئُ.

وَلَكِنْ… وَلِأَنَّ الصَّدَاقَةَ لَا تَعْرِفُ الرَّسْمِيَّاتِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَلِيلٍ مِنَ الْمُشَاغَبَةِ.

فَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ أَجِدُنِي أُحَلِّقُ فِي سَمَاءِ الْفَلْسَفَةِ، وَأَغُوصُ فِي مَفَاهِيمِ الْجَدَلِ الدِّيَالِكْتِيكِيِّ، وَالْبِنْيَوِيَّةِ، وَمَا بَعْدَ الْحَدَاثَةِ، وَأُفَكِّكُ النُّظُمَ السِّيَاسِيَّةَ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَّاتِ، وَأَرَى بَعْضَ الْجَالِسِينَ يُقَلِّبُونَ وُجُوهَهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ فَنَاجِينِ الْقَهْوَةِ، يَبْحَثُونَ عَنْ طَرِيقِ نَجَاةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ!

وَهُنَا يَتَدَخَّلُ غَازِي عَلْيَان، مُبْتَسِمًا، وَيَقُولُ بِتِلْكَ الْعَفْوِيَّةِ الَّتِي أُحِبُّهَا: «يَا رَجُلُ… ارْحَمْهُمْ! لَقَدْ أَغْرَقْتَ الْجَالِسِينَ… دَعْهُمْ يَشْرَبُونَ الْقَهْوَةَ أَوَّلًا، ثُمَّ حَدِّثْهُمْ عَنِ الدِّيَالِكْتِيكِ وَمَا بَعْدَ الْحَدَاثَةِ!»

فَيَعُمُّ الضَّحِكُ الْمَجْلِسَ، وَأَضْحَكُ مَعَهُمْ، وَأُدْرِكُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْلِكُ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الْحِكْمَةِ؛ حِكْمَةً تُعِيدُ الْفَلْسَفَةَ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَلَا تَدَعُهَا تَبْقَى حَبِيسَةَ الْمَعَاجِمِ.

فَهُنَاكَ رِجَالٌ يُجِيدُونَ حَلَّ الْمَسَائِلِ الْمُعَقَّدَةِ، وَهُنَاكَ رِجَالٌ يُجِيدُونَ تَبْسِيطَ الْحَيَاةِ. وَغَازِي عَلْيَان مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُذَكِّرُنَا أَنَّ أَجْمَلَ الْأَفْكَارِ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْقَلْبَ قَبْلَ الْعَقْلِ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّنِي لَا أَكْتُبُ الْيَوْمَ عَنْ نَائِبٍ سَابِقٍ، وَلَا عَنْ رَجُلِ أَعْمَالٍ، وَلَا عَنْ أَمِينٍ عَامٍّ لِحِزْبٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ أَكْتُبُ عَنْ إِنْسَانٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِقَلْبِهِ وَهُوَ يَصْعَدُ، وَأَنْ يَبْقَى وَفِيًّا وَهُوَ يَكْبُرُ، وَأَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الْمَنَاصِبَ قَدْ تَصْنَعُ شُهْرَةً، أَمَّا الْأَخْلَاقُ فَهِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الْخُلُودَ.

وَإِنْ سَأَلَنِي أَحَدٌ يَوْمًا: مَا أَقْرَبُ كَلِمَةٍ تُلَخِّصُ غَازِي عَلْيَان؟

فَلَنْ أَتَرَدَّدَ فِي الْجَوَابِ:

إِنَّهُ… الْوَفَاءُ، إِذَا اخْتَارَ أَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْ رَجُلٍ.

مدار الساعة ـ