مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هيلات يكتب: المديونية تفقد الجامعات الرسمية بوصلتها


الدكتور خالد هيلات

هيلات يكتب: المديونية تفقد الجامعات الرسمية بوصلتها

مدار الساعة ـ

تعاني بعض الجامعات الرسمية الاردنية من مديونية تجاوزت لدى بعضها الـ (100) مليون دينار وفق إحصائيات رسمية، هذه المديونية ناتجة عن تفاقم العجز المالي المتمثل بتفوق ما تنفق تلك الجامعات على ايراداتها السنوية فتلجأ الجامعات للاقتراض لتغطية هذا العجز مما يؤدي لتراكم ديونها عبر السنوات ويؤدي ايضا إلى دفع فوائد إضافية تزيد من حجم الإنفاق في موازنة الجامعات السنوية لتسديد تلك الفوائد، وفي ظل - جدلية العجز والمديونية لن تستطيع الجامعات التخلص من مديونيتها – إلا من خلال تداخلات جراحية قوية قد تستمر لسنوات عديدة.

واذا رجعنا إلى الهدف الرئيس من انشاء الجامعات الحكومية نجده يتمثل في " توفير تعليم عال متميز، وتلبية الاحتياجات التنموية والمجتمعية والوطنية، وإعداد الكفاءات البشرية القادرة على الابتكار وتلبية متطلبات سوق العمل، وخدمة المجتمع، وهذا لا يتأتى إلا من خلال الارتقاء بجودة البحث العلمي المواكب للتطورات العلمية العالمية، وتوفير برامج أكاديمية متطورة في مختلف حقول المعرفة تسهم في رفد سوق العمل بالكفاءات والقيادات المؤهلة علمياً وعملياً، وبالتالي لا نجد بين اهدافها تحقيق ربح مالي، او توفير موارد للإنفاق على ديمومتها، فهي جامعات حكومية تتمتع باستقلال مالي واداري، اعتمدت بداية تأٍسيسها على الدعم الحكومي، فلا هي خاصة ولا تجارية أو ربحية تسعى لتحقيق وفورات مالية.

لقد سارت الجامعات بخطوات متزنة ودون أي تدخل في انظمة وتعليمات قبول الطلبة حتى عام 2000 ، عندما تحولت سياسات القبول فيها إلى نظام القبول الموحد بدلا من القبول المباشر الذي كان يعطي مجالس الامناء صلاحية تحديد اعداد الطلبة والقبول، والحاق وحدة تنسيق القبول الموحد التي تتولى القبول المركزي في الجامعات الى مجلس التعليم العالي، ونقل صلاحيات رسم سياسات القبول وتحديد الأعداد إلى مجلس التعليم العالي عام 2009، مما ألغى عملياً آلية القبول المستقلة في الجامعات، الامر الذي فتح الباب امام تدخلات حكومية وجهات تابعة لها والمس باستقلالها المالي والاداري.

وتجمع رسالة الجامعات على " توفير بيئة تعليمية وبحثية متميزة، وتخريج كوادر مؤهلة قادرة على المساهمة في التنمية الشاملة"، أما اهدافها الاستراتيجية فتتمحور حول هدف استراتيجي واحد وهو "إعـداد الكفــاءات العلميــة فــي مختلــف حقــول العلــم والمعرفــة، وإنتــاج بحـث علمـي إبداعـي يخـدم المجتمـع من خلال تقديم تعليم متميّز في بيئة جامعية مُحفزة"، ولم نجد أي هدف يتحدث عن تحقيق الارباح المالية، وانما اشارت إلى "تحقيق الاستقلال المالي للجامعات" من خلال زيادة الإيرادات المتحققة من الشراكات الأكاديمية والعلمية الخارجية، وزيادة الإيرادات المتحققة من مراكز الجامعات، وترشيد الاستهلاك، مع التركيز على "الاستدامة المالية" وهو ما ورد فيث استراتيجية جامعة اليرموك للاعوام (2026-2030)، من خلال تنويع مصادر الدخل التشغيلي للجامعات، وتطبيق ممارسات الحوكمة المالية الرشيدة وترشيد النفقات التشغيلية، وهذا يسهم في تخفيض عجز الموازنة السنوية للجامعات وينعكس بالتالي على المديونية من خلال ايقاف الاقتراض وتراكم الديون.

لقد وردت هذه الاهداف او معظمها في مختلف استراتيجيات الجامعات الرسمية، وعملت ادارات الجامعات المتعاقبة على تحقيقها، لكن بعضها او معظمها اخفق، ونجح بعضها، والمطلوب حاليا إيقاف النزف الداخلي، والخارجي، للجامعات من خلال اعادة تموضعها على الطريق الأكثر صوابية، وذلك من خلال التوقف عن الخوض في مسألة المديونية التي اصبحت مرعبة لمختلف الادارات الجامعية، لدرجة ان اغلب قرارات بعض الإدارات انطلقت من هذا التحدي، وركزت على معالجة المديونية على حساب تحقيق أهداف اخرى لو اعطيت الاهتمام ذاته، وتم تطويرها لانعكست ايجابا على عجز الموازنة وارقام المديونية، وشكلت استدامة مالية أجدى وانفع من توجيه القرارات لمعالجة المديونية فقط

وفيما يتعلق بجامعة اليرموك وهي الاكثر مديونية والتي وصلت الى نحو (100) مليون دينار ارتفاعا من (12) مليونا عام 2015، فقد ادركت الجامعة ذلك ولم يعد هدف تخفيض المديونية طاغيا على غيره من اهدافها الاستراتيجية، فنجد انها تعمل على تحقيق الاهداف بشكل متواز ورؤية متكاملة لتنهض الأهداف ببعضها، بشكل ينعكس على تخفيض عجز الموازنة السنوي، وخفيض المديونية مما يحقق لها ما تريد دون عناء، فتحقيق أي هدف يسهم بتخفيض جزء من المديونية، وبخاصة ان مديونية الجامعات لم تكن وليدة لحظة او قرار بل نتيجة اختلالات هيكلية وتراكمات مالية طويلة لا يمكن تحميل مسؤوليتها لإدارة واحدة، ولا تستطيع ادارة واحدة التخلص منها ايضا.

وفي جردة حساب بسيطة لأسباب ما تعانيه الجامعات الحكومية من اختلالات مالية لوجدناها وبرأيي تتمثل بما يلي:-

أولا- الخلل في سياسات القبول وما رافقه من تدخلات حكومية سواء من مجلس التعليم العالي أو وزارة التعليم العالي

ثانيا:- ازدياد اعداد المتقاعدين ومكافآت نهاية الخدمة، وارتفاع فاتورة التامين الصحي.

ثالثا:- تراجع الدعم الحكومي، مع تنصل الحكومات والجهات الباعثة من الوفاء بالتزاماتها للجامعات، مع والاعتماد على الرسوم الدراسية كمصدر للإيرادات.

رابعا:- وجود برامج اكاديمية غير مطلوبة ينبغي استبدالها أو اغلاقها.

خامسا:- انعدام العلاقة بين الجامعات كمؤسسات بحثية وبين مؤسسات القطاعين الخاص والعام وبخاصة الصناعي والتقني، إذ لم نشهد تمويلا للأبحاث العلمية من قبل تلك الشركات لتطوير منتجاتها.

سادسا:- غياب البيئة التعليمية الجاذبة، بسبب ممارسات بعض الكوادر العاملة في الجامعة، وغياب المساءلة.

سابعا:- تعمل بعض الجامعات بجهد لا يتجاوز نحو 40 بالمئة من طاقة العاملين فيها، مما يتطلب خلق بيئة محفزة، والتخلص من البطالة المقنعة.

ثامنا:- إجراء عملية استلام وتسليم بين الإدارة السابقة والجديدة لجميع أمور الجامعة، بحيث يتم محاسبة كل إدارة سنويا عن نسب الانجاز والاخفاق في تحقيق الاهداف، وأن يتم اعفاء الادارة جميعها في حال عجزت عن تحقيق نسب انجاز معينة سنوياً.

تاسعا:- المديونية ذاتها فاقمت نفسها، فعجز الموازنة أدى الى الاستدانة، وخدمة الدين زادت المديونية.

ويبقى السؤال الأبرز، هل الجامعات الحكومية مؤسسات ربحية لتستحوذ اوضاعها المالية ومديونيتها على قراراتها، أم مؤسسات علمية تنموية تنتج المعرفة، وتؤهل الكوادر الفاعلة التي تقود التنمية المستدامة في مختلف المجالات المعرفية والعملية في المجتمع، وكيف نقيس درجة نجاح الجامعة هل من خلال الأوراق والتوثيق والتقييم أم بجودة المخرجات؟.

ولو افترضنا اننا وفي غضون ساعات تخلصنا من مديونية الجامعات، فهل نضمن عدم تراكمها وعودتها بشكل اكبر، واكثر فتكا، اذا لم نقم بإجراء اصلاحات جذرية على رسالة الجامعات واهدافها، وسياسات القبول والتعيين والاستثمار، وطرح البرامج الاكاديمية، واوقفنا التوسع في البرامج والتخصصات غير المطلوبة، واعدنا النظر بالخطط الدراسية، وبسياسات البحث العلمي والدراسات العليا، وحافظنا على استقلال الجامعات المالي والاداري، وطالبنا الجهات المبتعثة بتسديد ما عليها للجامعات، وبالتالي فأن المنظومة التعليمة لا تستقيم من خلال سد العجز المالي فقط بل من خلال تكاتف كل تلك الأمور، والنهوض بالجامعات ليست مسؤولية الإدارات فقط بل مسؤولية تشاركية تشمل العاملين فيها والقطاعين الخاص أولا والحكومي ثانيا، وهذا يتطلب المزيد من التشاركية في اتخاذ القرارات وتفعيل الاتصال الصاعد.

مدار الساعة ـ