مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الهباهبة يكتب: خرائط النفوذ الجديدة.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط؟


وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني

الهباهبة يكتب: خرائط النفوذ الجديدة.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط؟

وليد الهباهبة
وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني
مدار الساعة ـ

لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة لصراعات تقليدية حول الحدود أو موارد النفط والغاز، بل بات جزءًا من معادلة عالمية جديدة تقودها الثورة في الذكاء الاصطناعي. فالتنافس الدولي لم يعد يقتصر على السيطرة على مصادر الطاقة أو الممرات البحرية، بل امتد إلى سباق على امتلاك البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات العملاقة، وشبكات الاتصالات، وقدرات الحوسبة الفائقة التي ستشكل أساس الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خوارزميات أو تطبيقات ذكية، بل منظومة صناعية متكاملة تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، وأنظمة تبريد متقدمة تستهلك كميات كبيرة من المياه، إضافة إلى معادن نادرة تدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية والخوادم والروبوتات، فضلًا عن شبكات ألياف ضوئية واتصال عالمي عالي الكفاءة، وبيئات سياسية وتشريعية مستقرة قادرة على استقطاب الاستثمارات الضخمة.

وفي هذا السياق، تتعزز الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بوصفه أحد أهم موردي الطاقة في العالم، إلى جانب ما يمتلكه من إمكانات متنامية في مشاريع الطاقة المتجددة، وموقعه الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وهو ما يجعله مؤهلًا لدعم البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي العالمي، حتى وإن بقيت مراكز تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها متركزة في الولايات المتحدة والصين وعدد محدود من الاقتصادات المتقدمة.

وتشير المؤشرات الدولية إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة باتت تبحث عن مواقع قادرة على توفير الكهرباء بكميات كبيرة وأسعار تنافسية، إلى جانب الاستقرار السياسي وسهولة الربط بشبكات الاتصالات العالمية. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد باستثمارات مراكز البيانات الضخمة في عدد من دول الخليج، بالتوازي مع مشاريع الربط الكهربائي، والممرات الاقتصادية الجديدة، مثل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية المنطقة في الاقتصاد العالمي الجديد.

هذه التحولات التكنولوجية لا تفسر وحدها تغير السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط، لكنها تمثل أحد العوامل المؤثرة إلى جانب الاعتبارات الأمنية والاقتصادية التقليدية. فبعد سنوات من الرهان على إعادة تشكيل المنطقة عبر الحسم العسكري أو فرض توازنات أحادية، أظهرت الوقائع الميدانية أن كلفة الصراعات الممتدة أصبحت مرتفعة على الجميع، الأمر الذي عزز الاتجاه نحو إدارة التوازنات الإقليمية بدلًا من محاولة إعادة رسمها بالقوة.

وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة إلى بيئة إقليمية أكثر استقرارًا مرتبطة أيضًا بحماية الاستثمارات الكبرى في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية. ومن هنا تتداول أوساط سياسية وإعلامية تصورات مختلفة بشأن إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، تقوم على الفصل بين الجوانب المدنية والعسكرية، وإسناد إدارة الخدمات إلى هياكل محلية أو دولية ذات طابع تكنوقراطي، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع للبنية التحتية والإغاثة بدعم إقليمي ودولي. ورغم أن هذه التصورات لم تتبلور في إطار رسمي معلن، فإن تداولها يعكس توجهًا نحو ترتيبات انتقالية تحد من كلفة الحرب، من دون أن تشكل حلًا سياسيًا نهائيًا للقضية الفلسطينية.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز الأردن بوصفه طرفًا يصعب تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية تتعلق بالقضية الفلسطينية أو بقطاع غزة. فإلى جانب موقعه الجغرافي ودوره السياسي والإنساني، يستند الموقف الأردني إلى ثوابت واضحة تقوم على رفض أي حلول مؤقتة تكون على حساب الحل السياسي الشامل أو تمس السيادة الوطنية والحقوق الفلسطينية.

كما يمتلك الأردن عناصر قوة إضافية تؤهله للعب دور متنامٍ في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، من خلال موقعه كحلقة وصل بين الخليج وشرق المتوسط، ومشاركته في مشاريع الربط الكهربائي والطاقة المتجددة، إضافة إلى تطور قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ومرور عدد من مسارات الألياف الضوئية الإقليمية عبر أراضيه، وهي عوامل يمكن أن تعزز مكانته مستقبلًا كمركز للخدمات الرقمية ومراكز البيانات، إذا ما توافرت الاستثمارات والبيئة التنظيمية المناسبة.

إن خرائط النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُرسم بالنفط وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل أصبحت تقوم على مزيج من الطاقة، والحوسبة، والبيانات، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية، والاستقرار السياسي. ومن هذا المنظور، يبدو الشرق الأوسط مرشحًا للعب دور محوري في الاقتصاد العالمي الجديد، ليس لأنه سيقود ثورة الذكاء الاصطناعي تقنيًا، بل لأنه يمتلك عددًا من المقومات التي لا يمكن لهذه الثورة أن تستغني عنها.

ويبقى حجم هذا الدور مرهونًا بقدرة دول المنطقة على تحويل مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي إلى مزايا تنافسية مستدامة، عبر الاستثمار في التعليم والابتكار، وتطوير التشريعات، وبناء شراكات دولية، وترسيخ الاستقرار السياسي. فهذه العوامل، مجتمعة، هي التي ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط سيكون مجرد مزود للطاقة في عصر الذكاء الاصطناعي، أم شريكًا فاعلًا في صناعة مستقبله.

مدار الساعة ـ