مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الإجماع على الاستقرار الاقتصادي


سلامة الدرعاوي

الإجماع على الاستقرار الاقتصادي

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

المتابع للتقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالات التصنيف الائتماني، يجدها تتفق جميعها على توصيف واحـد وهو أن الاقتصاد الأردني يتمتع بالمتانة والمرونة والقدرة على مواجهة الصدمات.

هذه الشهادات الدولية تأتي في توقيت بالغ الأهمية، فالمنطقة تعيش حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي، بدءاً من جائحة كورونا واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، وصولاً إلى العدوان على غزة والتوترات الإقليمية التي أثرت على التجارة وحركة النقل والاستثمار، والحرب الأميركية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، ورغم ذلك، تمكن الأردن من الحفاظ على استقراره المالي والنقدي، واستطاع تحقيق نمو اقتصادي بلغ 2.7 بالمائة خلال الربع الأول من العام الحالي، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 3.1 بالمائة خلال الفترة المقبلة.

صحيح أن هذه النسب ما تزال دون الطموحات الوطنية، لكنها تكتسب أهمية استثنائية إذا ما قورنت بالظروف المحيطة وبالأداء الاقتصادي للعديد من دول المنطقة والعالم، فالمؤشر الأهم ليس حجم النمو فقط، وإنما قدرة الاقتصاد على الاستمرار في تحقيق النمو وسط بيئة إقليمية مضطربة، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد الأردني نجح في بناء مناعة جيدة ضد الأزمات.

الأهمية الأكبر تكمن في أن المؤسسات الدولية لم تعد تنظر إلى الأردن باعتباره اقتصاداً يسعى فقط للحفاظ على الاستقرار، لكن اقتصاداً يمتلك فرصاً حقيقية للنمو والتوسع، فالتغيرات الجيوسياسية الأخيرة أعادت رسم خريطة النقل والتجارة في المنطقة، ما منح الأردن موقعاً أكثر أهمية كممر إستراتيجي يربط دول الخليج والعراق بالأسواق الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، وهذه الميزة الجغرافية يمكن أن تتحول إلى محرك نمو اقتصادي إذا ما جرى استثمارها بالشكل الصحيح.

وفي هذا السياق، تبرز المشاريع الوطنية الكبرى التي يجري العمل عليها أو التخطيط لها، وعلى رأسها مشروع الناقل الوطني للمياه، ومشاريع السكك الحديدية، وتطوير منظومة النقل، ومشاريع الطاقة والغاز، والموانئ البرية ومراكز الشحن، فهذه المشاريع استثمارات إستراتيجية عابرة للحكومات قادرة على تغيير هيكل الاقتصاد الوطني ورفع قدرته التنافسية لعقود مقبلة.

كما أن الأردن يمتلك فرصة مهمة لتعظيم القيمة المضافة من موارده الطبيعية، خصوصاً الفوسفات والبوتاس، عبر التوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بهما بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، فالقيمة الاقتصادية الحقيقية تتحقق عندما تتحول الموارد الطبيعية إلى صناعات وفرص عمل وصادرات ذات قيمة مضافة مرتفعة.

لكن الحفاظ على مؤشرات الاستقرار يتطلب أيضاً معالجة بعض الاختلالات الهيكلية، وفي مقدمتها دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل أكثر من 98 بالمائة من إجمالي المؤسسات العاملة في المملكة، فيما لا تتجاوز حصتها من التسهيلات البنكية 10 بالمائة، مقارنة بما بين 20 و25 بالمائة في الاقتصادات المشابهة، وهذه الفجوة التمويلية تحد من قدرة هذا القطاع على التوسع والتشغيل وخلق الوظائف.

الخلاصة أن الإجماع الدولي على متانة الاقتصاد الأردني هو اعتراف بأن المملكة نجحت في اجتياز مرحلة بالغة الصعوبة -تشهدها المنطقة- بأقل الخسائر الممكنة، غير أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن في الحفاظ على الاستقرار فحسب، وإنما في تحويل هذا الاستقرار إلى نمو أعلى، واستثمارات أكبر، وفرص عمل أكثر، بحيث تنعكس المؤشرات الإيجابية التي تتحدث عنها المؤسسات الدولية على حياة المواطنين ومستويات معيشتهم بصورة مباشرة وملموسة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ