مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

الدول لا تُقاس بحجم المشاريع التي تعلن عنها فقط، بل بقدرتها على إدارة تلك المشاريع وفق منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة. فالمشروع الذي يبدأ قبل أن تُكتب له التشريعات المناسبة، وقبل أن تُبنى له قواعد الحوكمة قد يكون مغامرة مُكلفة في المستقبل.

كثيرون يعتقدون أن القانون يأتي بعد المشروع، وأن التشريعات تُعدّل عندما تظهر المشكلات. وهذه واحدة من أخطر الأخطاء الإدارية التي يمكن أن تقع فيها أي دولة. الحقيقة أن التشريع يجب أن يسبق المشروع، لا أن يلاحقه. فالقانون هو الذي يحدد الصلاحيات، ويرسم حدود المسؤوليات، ويضع آليات الرقابة، وينظم العلاقة بين الدولة والمستثمر والمقاول والاستشاري والممول. وعندما يغيب هذا الإطار، يصبح كل قرار قابلاً للاجتهاد، وكل إجراء قابلاً للطعن، وكل تأخير مشروعاً، وكل خلاف مرشحاً للتحول إلى نزاع أو تحكيم أو خسائر مالية.

الأردن يقف اليوم أمام مشاريع استراتيجية ضخمة ستحدد شكل اقتصاده لعقود مقبلة، مثل مشروع الناقل الوطني للمياه، وتطوير حقل غاز الريشة، ومشاريع السكك الحديدية، وغيرها من المشاريع الوطنية الكبرى. وهذه ليست مجرد مشاريع إنشائية، بل منظومات اقتصادية وتشغيلية وقانونية معقدة تتداخل فيها العقود الدولية، والتمويل، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والالتزامات البيئية، والامتثال، والمساءلة، والرقابة المالية والفنية.

لهذا السبب، فإن إعداد تشريعات حديثة ومتخصصة هو ضرورة وطنية. فكل مشروع من هذه المشاريع يحتاج إلى إطار قانوني واضح يسبق طرح العطاءات، ويحدد آليات اتخاذ القرار، ويضبط العلاقة بين جميع الأطراف، ويمنع تضارب المصالح، ويضع قواعد شفافة للتعاقد، وإدارة المطالبات، وتسوية النزاعات، والرقابة على الأداء. فالتشريع الجيد لا يحل المشكلات فقط، بل يمنع ولادتها من الأساس.

الحديث عن الحوكمة لا يعني زيادة التعقيد الإداري، بل يعني بناء نظام يمنع الفوضى قبل وقوعها. الحوكمة تبدأ منذ اللحظة الأولى التي تُطرح فيها فكرة المشروع، مروراً بإعداد الدراسات، واختيار المستشارين، وإعداد وثائق العطاء، وتقييم العروض، والتفاوض، والتعاقد، ثم التنفيذ، وإدارة التغييرات، والاستلام النهائي، والتشغيل. وكل مرحلة تحتاج إلى قواعد واضحة، وإجراءات مكتوبة، ومسؤوليات محددة، ورقابة مستقلة، ومؤشرات أداء يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين على أساسها.

أما أخطر ما يمكن أن يحدث في المشاريع الضخمة فهو أن تُدار بعقلية القرار الفردي. فلا يجوز أن تُبنى مشاريع بمليارات الدنانير على اجتهاد شخص واحد، مهما بلغت خبرته، ولا على خبرات محلية محدودة، مهما كانت كفاءتها. فالمشاريع الاستراتيجية الحديثة أصبحت عِلماً قائماً بذاته، يجمع بين القانون والهندسة والتمويل والاقتصاد وإدارة المخاطر والحوكمة والتكنولوجيا. ولذلك فإن الاستفادة من الخبرات الدولية والإقليمية ليست انتقاصاً من الكفاءات الوطنية، بل حماية لها، ونقلاً للمعرفة، وضماناً لتطبيق أفضل الممارسات العالمية.

كما أن مكافحة الفساد الإداري لا تبدأ بعد توقيع العقود، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات. تبدأ عندما يكون لكل قرار أساس قانوني واضح، ولكل لجنة اختصاص محدد، ولكل صلاحية حدود لا يجوز تجاوزها، ولكل مسؤول مساءلة حقيقية. فمعظم صور الفساد الإداري لا تنشأ من الرشوة وحدها، بل من غياب الحوكمة، وضعف الإجراءات، وتداخل الصلاحيات، وانعدام التوثيق، وغياب الرقابة المؤسسية. وعندما تكون المنظومة القانونية محكمة، تضيق مساحة الخطأ، ويصبح اكتشاف التجاوزات أسهل، ومحاسبة المسؤولين أسرع.

إن الدول التي نجحت في تنفيذ مشاريعها العملاقة لم تحقق ذلك لأنها امتلكت الأموال فقط، بل لأنها امتلكت مؤسسات قوية، وتشريعات متطورة، وأنظمة رقابة فعالة، وثقافة مؤسسية تؤمن بأن القانون هو قائد المشروع الحقيقي. أما الدول التي جعلت القانون تابعاً للمشروع، فقد دفعت أثماناً باهظة من التأخير، والتحكيم، والتعويضات، وضياع الفرص الاستثمارية.

الأردن يمتلك الكفاءات والإرادة، لكنه اليوم بحاجة إلى مرحلة جديدة في التفكير التشريعي، مرحلة لا تنتظر ظهور المشكلات حتى تعالجها، بل تستبقها ببناء منظومة قانونية حديثة تواكب الاقتصاد الجديد والمشاريع الوطنية الكبرى. فكل دينار يُصرف على إعداد تشريع متين وحوكمة فعالة ورقابة مؤسسية مستقلة، يوفر ملايين الدنانير التي قد تُهدر لاحقاً بسبب النزاعات أو سوء الإدارة أو ضعف التخطيط.

المستقبل لا يُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، بل يُبنى أولاً بالنصوص القانونية الرصينة، وبالحوكمة الرشيدة، وبالرقابة الفاعلة، وبالقرار المؤسسي. فقبل أن نضع حجر الأساس لأي مشروع وطني، علينا أن نضع حجر الأساس لدولته القانونية. هناك فقط تبدأ التنمية الحقيقية، وهناك فقط تتحول المشاريع من أرقام على الورق إلى إنجازات تصنع مستقبل الوطن.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ