مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأمير الحسن بن طلال يكتب: الهجرة المشرفة.. إحياءٌ للقدس فى الضمير


الأمير الحسن بن طلال

الأمير الحسن بن طلال يكتب: الهجرة المشرفة.. إحياءٌ للقدس فى الضمير

مدار الساعة (الأهرام المصرية) ـ
الأمير الحسن بن طلال يكتب: الهجرة

مع إشراقة عام هجرى جديد، لا يستحضر المسلمون مجرد ذكرى تاريخية عَبرت، بل يستلهمون «فلسفة الهجرة» كمنطلق لتعزيز الوعى، وترسيخ قيم الثبات، والكرامة، والعدالة، ونصرة الحق، والتكافل، والمسئولية. وتتجسد هذه المعانى اليوم فى وجداننا ونحن نلتفتُ شطر المسجد الأقصى المبارك؛ القبلة الأولى التى لم تغب يوماً عن وعى الأمة، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصي».

إن هذا الربط النبوى بين المساجد الثلاثة ليس مجرد ترتيب جغرافى، بل هو «وحدة مصير» أكدها المسلمون بعمق؛ فجعلوا من مكة والمدينة والقدس فضاءً روحياً واحداً، حيث تذوب المسافات وتلتحم العبادة بالمسئولية. واليوم، وبينما يفيض موسم الحج بملايين القلوب التى تهفو إلى مكة المكرمة من كل فج عميق، نُدرك أن هذه الحشود ليست مجرد أرقام فى إحصاء، بل هى طاقة حضارية هائلة وجسد واحد نابض يذكرنا بأن الأمة تمتلك قوة كامنة كبيرة إذا ما تحولت إلى «حضور واعٍ»، و«فعل مشترك»، سيظلّ أولى القبلتين وثالث الحرمين حاضراً فى حركتنا كما هو راسخ فى قلوبنا.

ولعل من المفارقات أن تاريخنا الإسلامى حُفظ بقوافل العلم والتجارة والحج. ولم تكن القافلة مجرد وسيلة انتقال، بل مؤسسة حضارية ربطت أقصى الشرق الإسلامى بأعماق إفريقيا، وحملت معها الناس والأفكار والمعارف والخبرات. وعلى امتداد طرقها نشأت السُبل والتكايا والزوايا والمكتبات ومرافق الضيافة والعون التى خدمت الإنسان فى رحلته وساعدته على بلوغ مقصده.

ومع تطور الزمن تبدلت الوسائل وتحولت دروب القوافل إلى وسائل نقل حديثة اختصرت المسافات، لكن الرسالة بقيت كما هي: ربط الإنسان بالمُقدس وربط المجتمعات بعضها ببعض.

ولعل من اللافت أن القرآن الكريم ربط الحج بالاستطاعة، فقال تعالي: «..على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..ً». وقد ارتبط مفهوم السبيل بالسعى وتحمل مشقات الطريق للوصول إلى المقصد. أما اليوم فقد تراجع كثير من مشقات السفر، غير أن قيمة السعى لم تتراجع. وإذا كانت التكنولوجيا قد يسرت الوصول إلى كثير من المقاصد، فإن القدس تذكرنا بأن بعض أشكال المشقة لم تعد فى الطريق بقدر ما أصبحت فى التحديات والمصاعب وفى الإصرار على الوصول والحضور رغم ما يواجه الزائرون والمقدسيون من قيود وعقبات.

والقدس ليست مجرد جغرافيا مكانية فحسب، ولكنها أيضا امتداد روحى لرحلة الإسراء والمعراج، ومحك اختبار لضمير الأمة. وهى تواجه اليوم محاولات متواصلة لتزييف هويتها وفرض سردية أحادية فى سجل تاريخها، على الرغم من أنها بقيت عبر القرون فضاءً إنسانياً التقت فيه الذاكرة الدينية والحضارية ضمن نسيج واحد. وفى أزقتها يتمازج آذان المساجد مع أجراس الكنائس لتبقى رمزاً للعيش المشترك والإرث الإنسانى الجامع.

ومن هنا، فإن الدفاع عن القدس لا يقتصر على حماية الحجر، بل يشمل حماية حق الإنسان فى الحياة والكرامة والبقاء على أرضه، وحق الأجيال القادمة فى أن ترث مدينة حية بأهلها وتراثها وتنوعها الحضارى. فلا قدس بلا مقدسيين مسلمين ومسيحيين. ودعم القدس لا يقتصر على صيانة المقدسات أو ترميم المعالم التاريخية، بل يمتد إلى دعم المدارس، والمستشفيات والمكتبات، والمؤسسات المجتمعية التى تحفظ الحياة فى المدينة وتمنحها القدرة على الاستمرار، لينتعش كل من الجسد، والروح، والعقل معاً.

إن مد جسور التواصل مع القدس هو أبلغ تعبير عن التضامن مع أهلها، وهو كسرٌ لحاجز الاغتراب وتجسيدٌ عملى لمعنى دينى أصيل علّمنا إياه الإسلام: توثيق عرى التآلف. ونًصرة المًستضعف. ولعل من معانى قوله تعالي: « كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » أن تتحول القيم إلى عمل؛ فخيرية الأمة لا تُقاس بعدد أبنائها فقط، بل بقدرتها على تحويل هذا العدد إلى فعل أخلاقى وحضور وجدانى وإنسانى يبعث على الأمل والتضامن المشترك.

ولهذا لم يجعل الإسلام التكافل قيمة مجردة، بل أقام له آليات عملية ومؤسسات مستدامة. فالزكاة نظام اجتماعى يوجّه جزءاً من الثروة إلى من هم بحاجة إليها، فيما شكّل الوقف عبر التاريخ الإسلامى نموذجاً رائداً لمأسسة العطاء ودعم التعليم، والرعاية الاجتماعية، وصيانة المقدسات، واستدامة الخير.

ومن شرف الانتماء إلى بيت حمل الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس أمانة ومسئولية لا امتيازاً، أن نؤكد أن هذه المسئولية لم تكن يوماً بديلاً عن مسئولية الأمة، بل تعبيراً عنها. فالقدس أمانة الأمة كلها ومسئوليتها المشتركة.

لقد حملت الهجرة معنى الهِمة والنهوض نحو الواجب، وحملت قوافل الحج معانى الوحدة والتكافل والارتباط بالمقدس، والقدس تستحق اليوم أن تستعيد مكانتها فى هذه المسيرة المتصلة. فالأماكن المقدسة أكبر من السياسة وأبقى من تقلباتها، لأنها ترتبط بالحق والكرامة والذاكرة الإنسانية المشتركة. وكما يعلو الحق ولا يُعلى عليه، تبقى القدس أمانة فى أعناق المؤمنين بقيم العدل والكرامة والوفاء، واختباراً حقيقياً لقدرتنا على تحويل ما نؤمن به إلى عمل يليق بمكانتها فى وجدان الأمة والضمير الإنسانى. ونحن نستقبل عاما هجريا جديدا، نسأل الله أن يجعله عاماً للخير والبركة، وأن يجعلنا من أهل الخير العاملين على خدمة مصالح الأمة ورسالتها الانسانية، وأن يوفقنا لما فيه خير الإنسان وكرامته.

كما نسأله تعالى أن يحفظ القدس، وأن يبارك فى المقدسيين، مسلمين ومسيحيين، الذين يصونون كل يوم هوية هذه المدينة المباركة ورسالتها. فالقدس مباركة بأهلها وشعبها الصامد كما هى مباركة بمقدساتها، وستبقى أمانة فى أعناقنا وضمائرنا جميعاً فى كل عصر وفى كل حين.

مدار الساعة (الأهرام المصرية) ـ