مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الجميع شركاء بضبط الإنفاق


سلامة الدرعاوي

الجميع شركاء بضبط الإنفاق

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لا يمكن التعامل مع ملف ضبط الإنفاق الحكومي باعتباره إجراءً مالياً مؤقتاً أو استجابة لضغوط اقتصادية، لكن في الحقيقة هو اختبار لمدى جدية الدولة بمكوناتها كافة في إدارة الموارد العامة بكفاءة وعدالة، إذ إن الفكرة الأساسية هنا واضحة، حول إذا كان المواطن مطالباً بتحمل أعباء مالية متزايدة من ضرائب ورسوم وارتفاع كلف المعيشة، فإن منطق الشراكة يفرض التزاماً موازياً من الحكومة والسلطة التشريعية، لا يقل صرامة ولا وضوحاً.

الإجراءات التي أُعلنت في بلاغ رئيس الوزراء بتاريخ 30 آذار 2026 كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، من حيث ضبط استخدام المركبات الحكومية، ووقف السفر الرسمي غير الضروري، وتقليص النفقات التشغيلية، وإخضاع التنفيذ لرقابة ديوان المحاسبة، لكن المشكلة لا تكمن في البلاغات، إنما في الاستمرارية والالتزام، إذ إن انتهاء العمل ببعض هذه الإجراءات حسب اعتقاد البعض أعاد طرح السؤال الأساسي، هل كان الهدف معالجة مؤقتة أم بناء نهج دائم؟

المشهد العام لا يعطي إشارات مطمئنة بالكامل، خاصة مع استمرار مظاهر الإنفاق غير المنضبط، تحديدا في ملف السفر الخارجي للوفود الرسمية والبرلمانية، يخلق فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، لا سيما عندما يرى المواطن أن هناك وفوداً في أكثر من عاصمة في الوقت الذي يُطلب منه فيه ضبط الانفاق، فإن الرسالة التي تصله ليست دعوة للشراكة، لكن ازدواجية في المعايير.

الأمر لا يتعلق بجدوى هذه المشاركات من عدمها، فبعضها قد يكون مبرراً وضرورياً، لكن المشكلة في غياب الانضباط والمعايير الواضحة والشفافة، إذ إن ضبط الإنفاق لا يعني إيقاف العمل، لكن إعادة ترتيب الأولويات، وربط كل نفقة بعائد مباشر أو غير مباشر يمكن قياسه.

وفي المقابل، يعكس تعميم رئيس الوزراء الخاص بإعداد مشروع موازنة عام 2027 توجهاً أكثر وضوحاً نحو ترسيخ الانضباط المالي، بعدما ألزم الوزارات والدوائر والوحدات الحكومية بخفض نفقاتها التشغيلية بنسبة 15 بالمائة، مع الالتزام بالسقوف المالية المحددة وعدم طلب أي مخصصات إضافية إلا بمبررات واضحة تقتضيها المصلحة العامة، كما أن التعميم لم يقتصر على خفض الإنفاق، لكن ركز على تحسين جودته من خلال إعطاء الأولوية للمشاريع الرأسمالية المستمرة، والمشاريع المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، والتحول الرقمي، وربط الموازنات بمؤشرات الأداء والنتائج، بما يعزز كفاءة إدارة المال العام.

وفي المقابل، فإن نجاح هذه التوجهات لن يقاس بالأرقام المدرجة في مشروع الموازنة، وإنما بمدى التزام جميع مؤسسات الدولة بروح هذه التعليمات، فلا يمكن المطالبة بخفض النفقات التشغيلية بنسبة 15 بالمائة، بينما تستمر ممارسات لا تنسجم مع فلسفة الترشيد، سواء في السفر الرسمي أو أوجه الإنفاق التي يمكن الاستغناء عنها أو إعادة ترتيب أولوياتها، فالموازنة انعكاس مباشر لسياسات الدولة ورسائلها للمواطنين، وكلما اتسقت القرارات مع الممارسة، ازدادت الثقة بأن ضبط الإنفاق أصبح نهجاً دائماً لا إجراءً مؤقتاً تفرضه الظروف.

المطلوب اليوم ليس فقط تعميمات وبلاغات، لكن بناء ثقافة مؤسسية قائمة على ترشيد الإنفاق، وهذه الثقافة تبدأ من الحكومة نفسها، لأن أي خلل في التزام القيادات سينعكس مباشرة على بقية الجهاز الحكومي، كما أن دور السلطة التشريعية يجب أن يكون رقابياً بالدرجة الأولى، لا أن تتحول هي نفسها إلى جزء من المشكلة عبر ممارسات لا تنسجم مع متطلبات المرحلة.

ضبط الإنفاق ضرورة اقتصادية في ظل ارتفاع المديونية وضغوط التمويل، والأهم من ذلك، أنه مسألة ثقة، وعندما يشعر المواطن أن الجميع يلتزم، سيكون أكثر استعداداً لتحمل ما يُطلب منه، أما في حال غياب العدالة في التطبيق، فإن أي إجراءات مالية ستفقد مشروعيتها تدريجياً.

الخلاصة، الجميع شركاء بضبط الإنفاق، لكن الشراكة لا تُقاس بالشعارات، إنما بالسلوك الفعلي، وما يُطلب من المواطن يجب أن يُطبّق أولاً داخل مؤسسات الدولة، وبدرجة أعلى من الانضباط، لأن القدوة هنا ليست خياراً، لكنها شرط لنجاح أي سياسة مالية.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ