مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: حين عادت الخيول الخشبية


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: حين عادت الخيول الخشبية

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

قبل أيام تابعتُ، على سبيل المصادفة أكثر منه بدافع الاهتمام، البطولة الأوروبية لرياضة ركوب الخيول الخشبية التي أُقيمت في براغ. لم أجلس أمام الشاشة بصفتي مشجعًا أو متابعًا للرياضة، فأنا منذ سنوات طويلة أرى أن الرياضة خُلقت لمن يمارسها لا لمن يقضي عمره في متابعة الآخرين وهم يمارسونها. وربما لهذا السبب ظلّت علاقتي بالمنافسات الرياضية فاترة، بل ازدادت برودة حين تحولت في كثير من الأحيان إلى مسرحٍ للتعصب والعنف والعنصرية، حتى بدا أن بعض الجماهير تدافع عن ألوان القمصان أكثر مما تدافع عن القيم الإنسانية نفسها.

ومع ذلك، وجدتني أتابع تلك البطولة الغريبة بشيءٍ من الدهشة والابتسام. ففتيات في مقتبل العمر يمتطين عصيًا تنتهي برؤوس خيول خشبية، ويتحركن في الميدان بحركات دقيقة تحاكي مشية الحصان وقفزاته واستعراضاته. كانت المشاهد تجمع بين الجدية والطرافة في آنٍ واحد؛ فالمشاركات يؤدين حركاتهن بتركيزٍ بالغ، بينما يجد المشاهد نفسه أمام صورة تلامس شيئًا من عالم الطفولة أكثر مما تلامس الرياضات التقليدية.

وأنا أرقب ذلك المشهد، انفتحت فجأة نافذة بعيدة في الذاكرة. رأيتُ نفسي طفلًا في أحد شوارع المخيم الترابية، أمتطي عصًا طويلة وأتخيلها حصانًا عربيًا أصيلًا يعدو بي عبر السهول والوديان. كنت أركض بكل ما أوتيت من خيال، أضرب العصا يمينًا ويسارًا، فتترك طرفها خطًا طويلًا على التراب، وكأنها ترسم طريق الرحلة أو حدود مملكةٍ لا يراها سواي. لم تكن هناك بطولات أوروبية، ولا لجان تحكيم، ولا ميداليات، ولا جمهور. كان هناك طفل فقط، وخيال واسع، وشارع ترابي يفسح المجال لأحلامه الصغيرة.

ضحكتُ في سرّي وأنا أعقد المقارنة بين المشهدين؛ بين رياضةٍ أصبحت لها قوانين واتحادات ومسابقات دولية، وبين لعبة طفولة عفوية مارسها آلاف الأطفال في أنحاء العالم دون أن يخطر ببال أحدهم أنها قد تتحول يومًا إلى بطولة قارية. ما أغرب هذا العالم! الأشياء التي كانت يومًا جزءًا من لعب الصغار أصبحت اليوم رياضات معترفًا بها، بينما فقدت أشياء كثيرة من براءتها الأولى تحت ثقل التعقيد والاحتراف والضجيج.

ولعل أكثر ما أثار تأملي ليس البطولة نفسها، بل قدرة الإنسان العجيبة على تحويل الخيال إلى واقع. فالطفل الذي كان يمتطي عصًا ويتظاهر بأنه فارس لم يكن يعلم أن هناك من سيكبر محتفظًا بذلك الخيال، وسيصنع منه نشاطًا له قواعده ومنافساته وجمهوره. كأن البشرية، مهما تقدمت وتعقدت، تظل تحمل في أعماقها شيئًا من ذلك الطفل الذي يرفض أن يغادر ساحة اللعب.

وهكذا وجدتني، وأنا أتابع تلك البطولة الغريبة، لا أفكر في الرياضة بقدر ما أفكر في الطفولة. فالعصي الخشبية أعادت إليّ شارعًا ترابيًا اندثر منذ زمن، وأعادت أصوات الصغار وهم يركضون خلف أحلامهم البسيطة. وبين طفولتي البعيدة وذلك المشهد الأوروبي الحديث مسافة نصف قرن تقريبًا، لكن الخيال ظل هو الخيال، والإنسان ظل يبحث عن الفرح بالطريقة نفسها، وإن اختلفت الأسماء واللافتات.

عندها أدركت أن العالم، مهما بدا مجنونًا ومليئًا بالمفارقات، لا يزال يحتفظ في زواياه بشيء من براءة الأطفال؛ أولئك الذين كانوا يصنعون من عصا حصانًا، ومن شارعٍ ترابي ميدانًا للفروسية، ومن لحظة لعب عابرة حكايةً تبقى في الذاكرة إلى آخر العمر.

مدار الساعة ـ