مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القديمات يكتب: بين المجاملة والتملق، تفقد الكلمات سحرها...!


د. جهاد يونس القديمات
أستاذ جامعي متخصص في إدارة وتطوير الموارد البشرية

القديمات يكتب: بين المجاملة والتملق، تفقد الكلمات سحرها...!

د. جهاد يونس القديمات
د. جهاد يونس القديمات
أستاذ جامعي متخصص في إدارة وتطوير الموارد البشرية
مدار الساعة ـ

كثيرا ما نستخدم كلمة المجاملةCourtesy في الحياة المهنية والاجتماعية، وهي من السلوكيات التي تعكس طبيعة العلاقات بين الناس، لكن المفارقة تبدأ عندما تختلط المجاملة بالتملق Flattery ، فيصبح من الصعب حينها التمييز بين الكلمة الطيبة التي هدفها التحفيز والاحترام، وبين الكلمة التي تخفي وراءها مصلحة أو رغبة في كسب رضا الآخرين.

إن المجاملة المقبولة سلوك راق يعبر عن حسن التعامل ومراعاة مشاعر الناس، وهي لا تعني أن نتخلى عن آرائنا أو نغير مواقفنا لإرضاء الآخرين، بل تعني أن نقدم الحقيقة بأسلوب إنساني ومحترم، وأن نعترف بالجهد الذي استحق التقدير وأن نشكر من قدم شيئا إيجابيا، فالمجاملة الحقيقية لا تلغي الصراحة بل تجعل الصراحة أكثر قبولا وتأثيرا.

تميز الحكمة العربية عن هذا الفرق الدقيق على لسان احد الحكماء: (ان الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عي وحسد)، ويعني ذلك أن مدح الشخص بأكثر مما يستحق أو وصفه بصفات ليست فيه، هو تملق وليس تقديرا حقيقيا، وعدم إعطاء الإنسان حقه من التقدير عندما يكون مستحقا له قد يكون بسبب العجز عن التعبير عن الحق أو عدم الرغبة في الاعتراف بفضل الآخرين، اذن المشكلة ليست في أن نثني على الآخرين أو نعبر عن تقديرنا لهم، وإنما المشكلة عندما يصبح الثناء منفصلا عن الحقيقة، وعندما تتحول الكلمات الجميلة من وسيلة للتقدير إلى وسيلة للتقرب والمصلحة وتبرير النفاق.

عندما تتحول المجاملة من قيمة أخلاقية إلى وسيلة لتحقيق منفعة شخصية يظهر عندها التملق، فيبدأ احدهم بمدح الآخرين بشكل مبالغ فيه أو الموافقة على كل ما يقولونه أو إخفاء الملاحظات التي لا تعجبهم، ليس لأنه مقتنع أو يرى الأمور بهذه الطريقة وإنما لأنه يبحث عن مكسب أو حماية أو مكانة، فالمتملق لا يقدم صورة حقيقية عن الواقع بل يقدم الصورة التي يعتقد أنها ترضي الطرف الآخر.

من خلال التجارب الشخصية المتعددة في بيئات العمل المختلفة، ادركت أن المجاملة والتملق يبدوان متشابهين في البداية، فكلاهما يستخدم كلمات إيجابية لكن الفرق الحقيقي يظهر عند الاختبار، فالشخص الذي يجامل باحترام يستطيع أن يقول رأيه عندما يحتاج الأمر، ويستطيع أن يختلف بطريقة مهنية، بينما الشخص الذي يمارس التملق يجد صعوبة في قول الحقيقة إذا كانت لا تخدم مصلحته، وتعتبر هذه الظاهرة في المنظمات من أكثر السلوكيات السلبية التي تؤثر على جودة القرارات، لأن المدير أو المسؤول عندما يحيط نفسه بأشخاص يبالغون في الثناء ويوافقون على كل شيء، يفقد القدرة على رؤية الصورة الحقيقية، فالنجاح في الادارة لا يحتاج إلى من ينقل الأخبار الجميلة فقط، بل إلى من يوضح التحديات، ويشير إلى نقاط الضعف القائمة، ويقدم ملاحظات تساعد لمواجهة الظروف القادمة.

المدير الناجح لا يحتاج إلى من يوهمه أنه على صواب بل يحتاج إلى من يساعده على رؤية الواقع كما هو، لأن أخطر ما يواجه أصحاب القرار ليس وجود الأخطاء بل غياب من يملك الشجاعة للإشارة إليها، بالاإضافة الى كون التملق سببا في صناعة بيئة عمل سامة، حيث يشعر الموظفون بأن الترقية لا تعتمد دائما على الكفاءة والإنجاز بل على القدرة على بناء علاقات شخصية مع أصحاب القرار مدخلها التملق، في المقابل يتراجع أصحاب الخبرة والقدرة عن التعبير عن آرائهم لأنهم يرون أن الصراحة قد لا تكون مرحبا بها، بينما يجد المتملقون مساحة أكبر للحضور والتأثير، ففي قول منسوب لأرسطو يؤكد: (ان الصديق الحقيقي هو من يخبرك بالحقيقة، لا من يقول لك ما تريد سماعه).

إن مسؤولية الوزير او المدير تظهر جلية في هذه المواقف، فالقائد الحقيقي لا يبحث عن الأشخاص الذين يقولون له دائما إنه على صواب بل يبحث عن الأشخاص الذين يساعدونه على الوصول إلى الصواب، فالاختلاف المهني ليس مشكلة بل هو أحد أسباب التطور، لأن بيئات العمل التي تمنع النقد البناء تتحول تدريجيا إلى منظمات تسمع صوتا واحدا يكون بعيدا عن الواقع.

من جانب آخر لا تقتصر ظاهرة التملق على المنظمات فقط بل نجدها أيضا في المجتمع العائلي، فعندما ترتبط قيمة الإنسان بما يملك من مال أو مكانة، يتغير تعامل بعض الناس معه، فيصبح رأيه سديدا وأكثر قبولا وأخطاؤه أكثر تسامحا، ليس بسبب تغير حقيقي في شخصيته وإنما بسبب تغير موقعه الاجتماعي، وهنا في رأيي تكمن مشكلة ثقافية مهمة، وهي أن بعض المجتمعات تنجذب أحيانا إلى مظاهر القوة أكثر من تقديرها للقيمة الحقيقية للإنسان، فالمال قد يمنح صاحبه قدرة على التأثير لكنه لا يمنحه بالضرورة المعرفة أو الصواب، والسلطة قد تجعل صوت الإنسان مسموعا لكنها لا تجعل كل ما يقوله صحيحا.

تحتاج مجتمعاتنا ومنظماتنا اليوم إلى ثقافة تقدر الإنسان الصادق الذي يحترم الآخرين دون أن يفقد رأيه، وتكافئ الشخص القادر على الإنجاز وليس فقط الشخص القادر على إرضاء أصحاب النفوذ، فالحقيقة قد تكون أحيانا أقل راحة من المجاملة، لكنها تبقى الأساس الذي تبنى عليه الثقة والنجاح والاستمرار.

بكلمات أخرى، قد ينجح الشخص الذي يعتمد على التملق في تحقيق بعض المكاسب السريعة، لكنه يدفع ثمنا أكبر على المدى البعيد، لأنه يخسر شيئا لا يعوض، وهو احترامه لذاته وصورته الحقيقية أمام نفسه والآخرين، فالقيمة الحقيقية للإنسان تأتي من صدق مواقفه ونزاهة كلماته، ولا يصنع سحر كلماته جمال التعبير وحده، بل مطابقتها للواقع وارتباطها بالنية الصادقة، فالكلمة التي تخرج من القلب تصل إلى القلب، أما الكلمة التي تصاغ لخدمة منفعة مؤقتة قد تبدو جميلة في ظاهرها، لكنها سرعان ما تفقد أثرها في اللحظات الأخيرة.

مدار الساعة ـ