مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العناقرة يكتب: واشنطن وطهران تفسّران الاتفاق نفسه بقراءتين مختلفتين


الدكتور محمود قدرة العناقرة

العناقرة يكتب: واشنطن وطهران تفسّران الاتفاق نفسه بقراءتين مختلفتين

مدار الساعة ـ

نادراً ما تنهار الاتفاقيات الدبلوماسية بينما لا تزال تواقيعها حديثة العهد، بل إنها تفشل عندما يعتقد كل طرف أنه اتفق على شيء يختلف جذرياً عما يعتقده الطرف الآخر، فالنصوص الرسمية ليست وحدها التي تحدد مصير الاتفاقات، وإنما الافتراضات الاستراتيجية الكامنة خلفها. وهذه هي المخاطرة الأساسية التي بدأت تبرز في إطار بورغنشتوك بين الولايات المتحدة وإيران.

فقد أسفرت المفاوضات التي استضافتها سويسرا، بوساطة قطرية وباكستانية، عن خارطة طريق تمتد ستين يوماً، وتهدف إلى تحويل مذكرة التفاهم التي وُقعت مؤخراً في إسلام آباد إلى تسوية إقليمية أكثر استدامة. وبعد نحو أربعة أشهر من المواجهة العسكرية، يبدو أن واشنطن دخلت هذه المحادثات وهي تعتقد أن الضغط العسكري المستمر أعاد ترسيخ قوة الردع وخلق مساحة تسمح بالعودة إلى المسار الدبلوماسي، لكن خلف الأجواء الهادئة التي أحاطت ببحيرة لوسيرن يبرز سؤال أكثر أهمية: هل يتفاوض الطرفان بالفعل للوصول إلى الهدف الاستراتيجي نفسه؟

تنظر الولايات المتحدة إلى الدبلوماسية القسرية باعتبارها آلية لتحويل الضغط إلى نفوذ، والنفوذ إلى امتثال، والامتثال إلى استقرار. ومن هذا المنطلق، ترى واشنطن أن وقف التصعيد لمدة ستين يوماً، واستئناف وصول المفتشين الدوليين، وإنشاء آليات للحد من التوترات الإقليمية، تمثل مكاسب استراتيجية ملموسة.

غير أن الاحتواء ليس مرادفاً للتقارب.

أما إيران، فلا تعتبر الضغوط طريقاً يقود إلى الامتثال، بل تراها ظرفاً يجب التكيف معه والصمود أمامه. فهدفها ليس إزالة القيود المفروضة عليها، وإنما الحفاظ على حرية الحركة في ظل تلك القيود. ومن هذا المنظور، لا تُعد العقوبات أو العزلة أو الضربات العسكرية أدوات إكراه بقدر ما هي ظروف هيكلية يمكن امتصاص آثارها بمرور الوقت.

وقد ظهر هذا التباين سريعاً بعد انتهاء المحادثات. فبينما تحدث المسؤولون الأمريكيون عن إطار يمهد الطريق لاستئناف عمليات التحقق وخفض التصعيد، رفض المسؤولون الإيرانيون علناً أي تفسير يوحي بأن المفاوضات أفضت إلى التزامات جديدة وشاملة. ولم يكن هذا الخلاف مجرد اختلاف تقني، بل كشف عن مشكلة أعمق، وهي أن الحكومتين خرجتا من المفاوضات نفسها وهما تعرضان فهمين مختلفين تماماً لما تحقق خلالها.

وهنا يتجلى الفارق بين الأطر الدبلوماسية والواقع الدبلوماسي.

وفي جوهر الأمر، يتمثل الاختلاف في مفهوم الزمن. فصناع القرار في الولايات المتحدة يقيسون النجاح من خلال الاتفاقيات الموقعة، والمعايير القابلة للتحقق، ومظاهر ضبط النفس التي يمكن رصدها. أما الاستراتيجية الإيرانية، فقد تعاملت مراراً مع الزمن باعتباره أحد أهم عناصر القوة، مستخدمة الصمود لإطالة أمد المواجهة واستنزاف الضغوط، مع الحفاظ على أوراق النفوذ الاستراتيجية على المدى الطويل.

كما يفسر هذا التباين طريقة ترتيب مراحل تنفيذ الإطار الحالي. إذ تشير التقارير إلى أن خارطة الطريق تعتمد على التنفيذ المتوازي، بحيث يقدم كل طرف خطوات متبادلة تهدف إلى بناء الثقة تدريجياً. غير أن التنفيذ المتبادل لا يعني بالضرورة وجود توقعات متبادلة.

فقد تنظر واشنطن إلى إجراءات مثل الإعفاءات المؤقتة من العقوبات، وتوسيع التصاريح الخاصة بصادرات النفط الإيرانية، والتخفيف التدريجي للقيود المالية المرتبط باستمرار تنفيذ الاتفاق، باعتبارها حوافز تشجع إيران على الالتزام. بينما قد ترى القيادة الإيرانية هذه الإجراءات من زاوية مختلفة تماماً، ليس بوصفها دليلاً على نجاح الضغوط الأمريكية، وإنما باعتبارها تأكيداً على أن سياسة الصمود أجبرت الطرف الآخر على تقديم تنازلات.

وتبرز الأحداث الأخيرة في مضيق هرمز مدى هشاشة هذا الفارق في التفسير. فقد أثار الهجوم الذي استهدف، بحسب التقارير، سفينة الشحن «إيفر لوفلي» التي ترفع علم سنغافورة، بعد فترة وجيزة من الاتفاق وفي ظل الجهود الرامية إلى استعادة الأمن البحري، تساؤلات فورية حول ما إذا كانت التفاهمات الدبلوماسية قد أحدثت بالفعل تغييراً في السلوك الميداني.

وسواء كان هذا الحادث اختباراً متعمداً للإطار الجديد، أو نتيجة لتعدد مراكز صنع القرار داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، فإنه كشف عن الغموض الأساسي الذي يحيط بطريقة تفسير الاتفاق. ففي حين تبدو واشنطن وكأنها تعتبر الإطار بداية لنظام إقليمي أكثر استقراراً، قد ترى طهران فيه مجرد وسيلة لإدارة الضغوط مع الاحتفاظ بحرية الحركة الاستراتيجية.

وغالباً ما يُغفل أن مثل هذه الأطر لا تبقى محصورة في المجال الدبلوماسي، بل تمتد آثارها إلى تكاليف التأمين على الملاحة البحرية، وأسعار الطاقة، وجداول الاستثمار، وحسابات التحالفات الإقليمية. لذلك فإن الهدوء التكتيكي لا يعني فقط غياب التصعيد العسكري، بل يعيد أيضاً تشكيل الكلفة الاقتصادية المرتبطة بتوقع المخاطر المستقبلية.

وفي الواقع، نادراً ما تفشل الدبلوماسية القسرية الحديثة لأن الخصوم يسيئون فهم بعضهم البعض، وإنما لأنها تنتهي إلى أن كل طرف يدرك دوافع الطرف الآخر بصورة صحيحة، لكنه يستخلص منها نتائج مختلفة وغير متوافقة.

فالولايات المتحدة تميل إلى تقييم ما تم الاتفاق عليه رسمياً، بينما تركز القيادة الإيرانية على تقييم المدة التي تستطيع خلالها الحفاظ على موقفها تحت وطأة الضغوط، وكلا التقديرين منطقي من زاويته الخاصة، لكنهما ليسا بالضرورة متوافقين.

ومن ثم، فإن أكبر خطر يواجه واشنطن لا يتمثل فقط في احتمال انهيار خارطة الطريق الممتدة ستين يوماً، بل في نجاحها المؤقت، مع تفسير هذا النجاح باعتباره دليلاً على حدوث تحول استراتيجي لم يقع في الواقع، فقد يؤدي ضبط النفس التكتيكي إلى تقليل العنف، لكنه لا يعالج المنافسة الأساسية التي أنتجت هذا العنف منذ البداية.

وقد يشكل إطار بورغنشتوك بالفعل الأساس لتسوية إقليمية دائمة، كما قد يتحول إلى مجرد فترة توقف مدروسة ضمن صراع استراتيجي مستمر. والفارق بين الاحتمالين لن تحدده صياغة الاتفاق بحد ذاتها، بل ما يعتقد كل طرف أن الاتفاق صُمم لتحقيقه.

وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في الهدوء التكتيكي ذاته، وإنما في الخلط بين ضبط النفس المؤقت والسلام الاستراتيجي الحقيقي.

مدار الساعة ـ