مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

السعايدة يكتب: الإقليم يتشكل مجدداً.. أين يقف الأردن؟


راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق

السعايدة يكتب: الإقليم يتشكل مجدداً.. أين يقف الأردن؟

راكان السعايدة
راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق
مدار الساعة ـ

الخلاصة: أي تحالفات أو محاور تتبلور في المنطقة فوق الأردن أو من دون أخذ دوره وموقعه بالحسبان، يصعب أن تنجح أو تستمر؛ فجغرافيا الأردن كانت وما تزال ممراً إجبارياً ومحطة ارتكاز لأي محور أو منظومة إقليمية تسعى إلى تحقيق الاستقرار أو التكامل في المنطقة.

هذه الخلاصة يجب أن تكون أساسية في ذهن الدولة الأردنية الرسمية، طالما أن المنطقة تتشكل من جديد، وإن كانت تمر الآن بحالة سيولة سببتها حروب ومواجهات لم تنته كما خُطِّط لها.

فإن كانت إيران وحلفاؤها يشكلون محوراً ثابتاً ومتماسكاً ويحقق مكاسب رغم ما تعرض له من تدمير ومحاولات تصفية (...) فإن "إسرائيل" تعمل أيضاً، بغطاء أميركي، لتكوِّن محوراً مهيمناً وحيداً على المنطقة، وأن تحافظ على دورها كشرطي الإقليم.

صحيح أن محور إيران يعاني، لكنه يملك أدوات التعافي والعودة ليكون قطباً إقليمياً، وعالمياً بسبب مضيق هرمز، وقدراته الصاروخية وما يتوافر عليه من طاقة ومن حلفاء.

"إسرائيل" أيضا تعاني أزمات مركبة، وانقسامات داخلية، وقلقاً وجوديا،ً وشعوراً دائماً بالتهديد الوجودي. كذلك تتسع عزلتها الدولية، وباتت عبئا على أميركا وأوروبا، وهي تقترب من أن تصبح دولة منبوذة كلياً، لكنها حتى الآن تملك أدوات القوة والتدمير، وتعتقد أنها قادرة على فرض ما تريد بالقوة، وهذه على الأقل قناعة اليمين المتطرف الحاكم.

فوق هذا كله، لا يبدو أن حال أميركا في المنطقة أفضل؛ فقد اهتزت هيبتها وتضررت هيمنتها، بعدما فشلت في تركيع إيران، وفشلت حليفتها الأساسية "إسرائيل" في تركيع قوى المقاومة في لبنان وقطاع غزة واليمن.

فهُما، وإن حققتا إنجازاً تكتيكياً بإظهار قوة التدمير، إلا أنهما فشلتا استراتيجياً، ولم تستطيعا تحويل المنجزات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية، لا سياسياً ولا عسكرياً وأمنياً ولا اقتصادياً.

الأهم أن أميركا تدرك أن ثقة حلفاء الإقليم اهتزت؛ فالمواجهة مع إيران أثبتت قدرتها على تهديد الحلفاء، وأكدت محدودية القوة الأميركية مهما بلغت.

باختصار، يشعر حلفاء واشنطن أن من لم يستطع حماية قواعده وأصوله لن يستطيع حمايتهم.

لكن كل هذا لا يعني أن أميركا انتهت عالمياً وإقليمياً، بل لا تزال قطباً وحيداً، وإن أخذت هيمنتها تتآكل وتضعف، وهو ربما ما سيدفعها إلى المسارعة لترتيب الإقليم قبل أن تفلت الأمور من بين يديها.

طبعاً من دون أن يعني ذلك أن أميركا ستبقى هي ذاتها في ذهنية الأنظمة السياسية في الإقليم؛ فما ذهب لن يعود، فلا أميركا ستبقى بصورتها النمطية كقوة باقية إلى الأبد، ولا صورة "إسرائيل" ستبقى رغم إجرامها الذي يراد منه استعادة الردع والهيمنة.

ما الذي تعنيه الإشارات أعلاه..؟

بتقديري، وفهمي المتواضع، أن التحولات والتغييرات في الإقليم تمضي ببطء لإنتاج محور جديد،، وربما أكثر، لكنها تمضي، وتظهر ملامح تشكله بصورة ناعمة وغير لافتة أو مستفِزة كثيراً للخصوم.

بمعنى أن هذه التحولات والتغييرات لن تتصادم مع أميركا و"إسرائيل"، ولن تستفزهما، بل ستحاول أن تسوّغهما وتعبرهما بقدر عال من الهدوء والنعومة والمرونة.

لأن الهدف، وفقاً لأبسط التحليلات، ليس مناوأة إيران أو "إسرائيل" ومن خلفها أميركا، بل خلق محور ثالث يوازن بين محوري إيران و"إسرائيل"، ويضبط إيقاع الإقليم ويمنع أياً من المحورين من ابتلاع المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

وإذا ما تشكل المحور الثالث من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، فبالضرورة ستكون هناك دول أخرى فرعية نسبيا تدور في فلكه، ومثل هذا المحور قد يدفع دولاً عربية أخرى إما إلى حضن إيران أو إلى حضن "إسرائيل" التي ستتحالف مع الهند.

الذي ليس فيه شك أن الصين وروسيا ستدعمان المحور الثالث بصيغة ما، لأنه بالضرورة سيكون مفيداً لهما إقليمياً ودولياً في مواجهة أميركا، وفي هذا الجانب يقال الكثير..

لذا، على الأردن الرسمي أن يدرك، وأظنه يدرك، أن المحور الثالث الذي قد تفرضه ظروف الإقليم وما مرّ به وما أظهرته أحداثه من حقائق (...)، يستدعي منه أن يحدد خياراته ويصمم مقاربته من وحي مصالحه، أكانت مصالح الأردن الذاتية أم الموضوعية المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية التي ما تزال القضية المركزية للعالم العربي، وتمسّ الأمن القومي الأردني والعربي بشدة.

الأردن عقدة جغرافية وسياسية، لا يمكن، بل لا يجوز، لأحد أو لأي دولة في الإقليم أن يتجاهله، أو يتجاهل مصالحه والمخاطر المحيطة به.

ببساطة، لا أظن أن الأردن بعيد عن التقاط وإدراك ما يحدث في الإقليم، وهو الذي يفهم بعمق حجم التحولات وحجم الحقائق التي برزت في إقليم يعاد تشكيله من جديد، وبصورة مختلفة.

وأعتقد أن عليه، إن لم يكن قد شرع في ذلك، أن يعيد مراجعة مجمل علاقاته مع مختلف دول الإقليم، وأن يتفقد مواضع ومكامن قوته ويعمل على تعظيمها، والتحديات التي تواجهه، ويبني توقعاته وسيناريواته وموقعه الجيوسياسي على وقع هذه المراجعة.

ويفترض به أن يتحسّب لأي محاولة لتجاوزه ويواجهها بقوة وحزم.

إن تجاهل الأردن ومحاولة القفز من فوقه ومن فوق مصالحه ممنوع، لأن الثمن سيكون باهظاً، لا قدّر الله.

مدار الساعة ـ