مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العامري يكتب: استراتيجيةُ التَّراكُمِ المعرفيِّ وحتميَّةُ الجدارةِ


العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي

العامري يكتب: استراتيجيةُ التَّراكُمِ المعرفيِّ وحتميَّةُ الجدارةِ

العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي
مدار الساعة ـ

في حياةِ الأُمَمِ والمؤسساتِ والأفرادِ، ثَمَّةَ فارقٌ جوهريٌّ بين التَّوقيتِ والاستحقاقِ؛ فليس كلُّ ما يتأخَّرُ يضيعُ، وليس كلُّ ما يأتي مُبكراً يكونُ قد جاءَ في أوانِهِ. كثيراً ما ننظرُ إلى المشهدِ من زاويةِ السِّباقِ، فنحسَبُ أنَّ النَّجاحَ مرهونٌ بسُرعةِ الوصولِ، وأنَّ التقدُّمَ يُقاسُ بعددِ الخُطواتِ التي تسبقُ الآخرينَ، إلا أنَّ تجاربَ الحياةِ، وتجاربَ الدُّولِ النَّاجحةِ على وجهِ الخُصوصِ، تُعلِّمُنا أنَّ القيمةَ الحقيقيَّةَ لا تكمُنُ في الوصولِ أولاً، بل في الوصولِ مُستعداً.

فالمواقعُ والمسؤولياتُ ليست غايةً بحدِّ ذاتِها، وإنَّما هي أدواتٌ لتحقيقِ الأثرِ وصناعةِ الفرقِ؛ وما أكثرَ الذين وصلوا سريعاً فعجزوا عن المحافظةِ على ما وصلوا إليهِ، وما أكثرَ الذين تأخَّروا زمناً، لكنَّهم حين جاءت فُرصتُهم كانوا أكثرَ قدرةً على الإنجازِ، وأكثرَ تأثيراً في محيطِهم ومؤسساتِهم وأوطانِهم.

ولعلَّ أجملَ ما يمكنُ أن يُقالَ لكلِّ مَن يرى أنَّ أحلامَهُ تأخَّرت عن أحلامِ الآخرينَ: لا بأسَ، فغالباً ما يبقى إعلانُ المركزِ الأولِ إلى آخرِ السِّباقِ. وهذه ليست عبارةً تحفيزيةً عابرةً، بل حقيقةٌ تؤكدُها مسيرةُ كثيرٍ من القادةِ والمفكرينَ والعلماءِ وأصحابِ الإنجازاتِ الكُبرى؛ فبعضُ الأدوارِ تحتاجُ إلى سنواتٍ من التَّراكمِ المعرفيِّ والخبرةِ العمليَّةِ واختبارِ المواقفِ قبل أن يحينَ أوانُها، وبعضُ المسؤولياتِ لا تُقاسُ بالرَّغبةِ في تولِّيها، وإنَّما بالقدرةِ على حملِ أعبائِها عندما تدقُّ ساعةُ التَّكليفِ.

لقد أصبحَ العالمُ أكثرَ تعقيداً من أيِّ وقتٍ مضى، ولم تعُدِ القيادةُ أو الإدارةُ مجرَّدَ وظائفَ تُمارَسُ وفقَ القواعدِ التقليديَّةِ، بل أصبحت حقولاً معرفيَّةً متشابكةً تتطلبُ رؤىً استراتيجيَّةً، وقدرةً على التَّحليلِ، وفهماً عميقاً للنَّاسِ والمؤسساتِ والتَّحوُّلاتِ المحليَّةِ والإقليميَّةِ والدوليَّةِ؛ وهذه القدراتُ لا تُكتسَبُ بين ليلةٍ وضُحاها، بل تتشكلُ عبرَ سنواتٍ طويلةٍ من التَّجربةِ والتَّعلُّمِ والعملِ المتواصلِ.

ومن هنا، فإنَّ الدُّولَ والمؤسساتِ التي تفكرُ بعقلٍ استراتيجيٍّ لا تنظرُ فقط إلى ما يملكُهُ الإنسانُ اليومَ، بل إلى ما راكمَهُ من معرفةٍ وخبرةٍ وقدرةٍ على التَّعامُلِ مع التَّحدياتِ؛ فهي تدركُ أنَّ الاستثمارَ في الكفاءاتِ ليس مكافأةً لأصحابِها بقدرِ ما هو استثمارٌ في مستقبلِ المؤسسةِ والدَّولةِ نفسِها.

وفي المقابلِ، فإنَّ الكفاءاتِ الحقيقيَّةَ تدركُ أنَّ قيمةَ الإنسانِ لا تُحددُها المسمَّياتُ، ولا تختصرُها المواقعُ، ولا تُقاسُ بعددِ المناصبِ التي يشغلُها؛ فالقيمةَ الحقيقيَّةَ تكمُنُ في الجاهزيَّةِ الدائمةِ للعطاءِ، وفي المحافظةِ على مستوىً عالٍ من المهنيَّةِ والمعرفةِ والانضباطِ، حتَّى عندما لا تكونُ الأضواءُ مسلَّطةً عليهِ.

لقد علَّمتنا الحياةُ أنَّ بعضَ الأبوابِ لا تُفتَحُ إلا عندما يصبحُ صاحبُها مُستعداً لُعبورِها، وأنَّ بعضَ الفُرَصِ التي نظنُّ أنَّها تأخَّرت كانت في الحقيقةِ تُعدُّ لنا طريقاً أكثرَ اتساعاً وأعمقَ أثراً، وأنَّ الزَّمنَ لا يختبرُ قدرتنا على الانتظارِ فحسب، بل يختبرُ قدرتنا على الاستمرارِ في البناءِ والتَّطويرِ وعدمِ الاستسلامِ للإحباطِ.

ولهذا، إذا سبقَكَ غيرُكَ في الطَّريقِ، فلا تجعلِ المقارنةَ تستنزفُ طاقتَكَ، ولا تسمح للمرارةِ أن تعطلَ مسيرتَكَ؛ واصِلِ العملَ، وراكِمِ الخبرةَ، وطوِّر أدواتِكَ، وكُن جاهزاً دائماً للحظةِ التي تحتاجُكَ فيها مؤسستُكَ أو وطنُكَ أو مجتمعُكَ. ففي نهايةِ المطافِ، قد يتأخَّرُ الموعدُ، وقد تتبدلُ الظُّروفُ، وقد تتغيرُ الوجوهُ والمواقعُ، لكنَّ شيئاً واحداً يبقى ثابتاً: أنَّ الاستحقاقَ الحقيقيَّ لا يسقطُ بالتقادُمِ، وأنَّ الكفاءةَ الصادقةَ تجدُ طريقَها مهما طالَ الزَّمنُ.

مدار الساعة ـ