مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الرجوب يكتب: ما وراء المرايا الرحلة التي يقضي الإنسان عمره هارباً منها


د. عمّار محمد الرجوب

الرجوب يكتب: ما وراء المرايا الرحلة التي يقضي الإنسان عمره هارباً منها

مدار الساعة ـ

ليس في هذا الوجود ما يثير الحيرة بقدر الإنسان، فهذا الكائن الذي استطاع أن يقيس المسافات بين المجرات، وأن يختصر الزمن، وأن يفكك أسرار المادة والطاقة، ما يزال يقف حائراً أمام ذاته، كمسافر يحمل خرائط الأرض كلها، لكنه يعجز عن العثور على الطريق المؤدي إلى أعماقه. وكأن الإنسان، منذ أن وطئت قدماه هذه الأرض، كان بارعاً في اكتشاف العالم، ومتعثراً في اكتشاف نفسه، ومنذ فجر التاريخ، ظل الإنسان منشغلاً بطرح الأسئلة الكبرى كيف بدأ الكون؟ وإلى أين تمضي الحضارات؟ وما مصير العالم؟ غير أن السؤال الأكثر عمقاً ظل معلقاً في مكان آخر من أنا حقاً؟

ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن أعظم التحولات في التاريخ لم تبدأ من الجغرافيا، بل من النفس الإنسانية. فالحروب الكبرى لم تكن سوى انعكاس لصراعات داخلية لم تُفهم، والنهضات العظيمة لم تولد في القصور، بل في أرواح أدركت رسالتها. فما من حضارة سقطت إلا بعد أن تصدع الإنسان من الداخل، وما من أمة نهضت إلا حين نهض وعي الإنسان أولاً.

إن الشخصية الإنسانية ليست بنية جامدة يمكن قياسها بالأرقام أو اختزالها في التصنيفات، بل هي كونٌ كامل من الذكريات والمخاوف والأحلام والانكسارات والآمال. وفي داخل كل إنسان قارة كاملة لا تظهر على خرائط العالم؛ مدن من الحنين، وغرف مغلقة من الألم، وحقول واسعة من الأحلام المؤجلة، ومعارك صامتة لا يعلم بها أحد.

ولهذا، فإن أكثر الأحكام البشرية ظلماً هي تلك التي تُبنى على الظاهر، فنحن كثيراً ما نحاكم الناس بما نراه منهم، بينما حقيقتهم تسكن في المناطق التي لا نراها، كم من إنسان بدا قاسياً، ولم تكن قسوته إلا جداراً أخيراً يحتمي خلفه قلب أنهكته الخيبات.

وكم من إنسان اختار الصمت، لا لأن الكلمات خانته، بل لأن أوجاعه كانت أعمق من أن تُروى.

وكم من وجه أضاءه الابتسام، بينما كانت خلف ملامحه ليالٍ طويلة من الحزن والوحدة والمقاومة.

فالإنسان ليس موقفاً عابراً، ولا كلمة قيلت في لحظة غضب، ولا صورة التُقطت في زمن معين. الإنسان رواية ممتدة، تتشابك فيها الفصول وتتداخل، ولا يمكن فهمها من صفحة واحدة، كما لا يمكن الحكم على بحر من قطرة ماء.

ومن هنا تبدأ الحكمة الحقيقية.

أن ندرك أن لكل إنسان معركته الخاصة التي يخوضها بصمت.

وأن الناس لا يحتاجون دائماً إلى من يصدر الأحكام عليهم، بقدر حاجتهم إلى من يحاول فهمهم.

وأن النضج الفكري لا يتمثل في كثرة المعرفة فحسب، بل في اتساع مساحة الرحمة داخل الإنسان.

فالوعي لا يجعل الإنسان أقل إحساساً، بل أكثر عدلاً والاتزان لا يعني غياب العاطفة، بل يعني أن تبقى العاطفة نوراً يهدي العقل، لا قيداً يعطله.

أما القوة الحقيقية، فلا تكمن في القدرة على الانتصار على الآخرين، بل في الانتصار على الفوضى التي تسكن أعماقنا؛ على مخاوفنا، وأنانيتنا، وأوهامنا، وضعفنا الإنساني.

لقد أمضى الإنسان قروناً طويلة يبحث عن مفاتيح العالم، بينما ظل المفتاح الأهم معلقاً في أعماقه. فكلما ازداد فهماً لنفسه، ازداد رحمة بالناس. وكلما ازداد وعياً بضعفه، ازداد احتراماً لاختلاف الآخرين. وكلما أدرك أن الكمال ليس سوى سراب يطارده البشر، أصبح أكثر تصالحاً مع ذاته وأكثر سلاماً مع الحياة.

إن أجمل الشخصيات ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تتعلم من أخطائها. وليست تلك التي لا تسقط، بل تلك التي تعرف كيف تحول سقوطها إلى بداية جديدة. وليست تلك التي تفرض حضورها بعلو الصوت، بل التي تترك أثراً نبيلاً في الأرواح، يستمر حتى بعد الغياب.

فالإنسان العظيم لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح ولا بما يجمع، بل بما يزرع من خير ومعنى وأمل ولا بعدد الذين يعرفونه، بل بعدد الذين أصبح العالم أكثر دفئاً وإنسانية بسبب وجوده بينهم وفي نهاية المطاف، سنكتشف أن الحياة لم تكن اختباراً لقدرتنا على التفوق على الآخرين، بل امتحاناً لقدرتنا على فهمهم. وأن أعظم درجات النضج ليست أن نعرف الكثير عن الناس، بل أن نتعامل معهم بقدر أكبر من الرحمة والحكمة والإنصاف.

وحين تمضي السنوات، وتتراجع ضوضاء الأيام إلى الخلف، لن يتذكر الناس حجم ما امتلكناه أو مقدار ما خسرناه، بل سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون. سيتذكرون كلمة أعادت إليهم الأمل، وموقفاً أنصفهم في لحظة ضعف، وقلباً منحهم الطمأنينة عندما ضاقت بهم الطرق.

وهنا تكمن عظمة الإنسان.

ليس في أنه الأقوى بين المخلوقات، بل في أنه الكائن الوحيد القادر على أن يحمل عقلاً يفكر، وقلباً يحب، وروحاً تسمو، في آن واحد.

وإذا أردنا أن نحيا بوعي واتزان، فعلينا أن نتصالح مع حقيقة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن الإنسان ليس مشروعاً للكمال، بل رحلة دائمة نحو الأفضل، وأن أجمل ما في النفس البشرية أنها، مهما تعثرت، تظل قادرة على النهوض، ومهما اشتدت العتمة حولها، يبقى في أعماقها نور خافت يدلها على ذاتها لأن الإنسان، في نهاية الأمر، ليس ما تصنعه الظروف منه، بل ما يختار أن يكونه رغم تلك الظروف.

واقول انا ... أنا لا أبحث في وجوه الناس لأحكم عليهم، بل أبحث في هشاشتهم الإنسانية لأفهمهم؛ فكلما فهمت الإنسان أكثر، أدركت أن أعظم الحكمة ليست في تغيير الآخرين، بل في احتوائهم، وأن أسمى أشكال القوة ليست في السيطرة عليهم، بل في حسن التعامل معهم.

مدار الساعة ـ