مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين تتحول الحوكمة إلى أثر ملموس


خالد دلال

حين تتحول الحوكمة إلى أثر ملموس

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لا يقاس الإنجاز فقط بحجم ما يخصص أو ينفق من مال، حتى ولو كان بالمليارات، بل الأهم بالأثر الإيجابي طويل الأمد الذي يتركه في حياة الناس.

ومن هذا المنطلق، فإن الخطوة التي قامت بها الحكومة، وتحديدا قبل عام من الآن، بالإعلان عن تأمين 4.1 مليون مواطن ضمن برنامج (رعاية) لعلاج السرطان، تمثل في رأيي إنجازا مهما يحسب لها من باب الأثر الطبي الطيب الذي تركته في عقول وقلوب من بدأ بتلقي الخدمات العلاجية في مركز الحسين للسرطان.

فقد تم، واعتبارا من بداية هذا العام، "تأمين من هم بعمر 60 عاما فما فوق بالعلاج في المركز، وهم الفئة الأكثر عُرضة للإصابة، إضافة إلى جميع الأطفال ومن هم بسن 19 عاما فما دون، وكذلك منتفعي صندوق المعونة الوطنية بغض النظر عن الفئة العمرية". وحتى الفئات الأخرى، فقد حددت الحكومة آلية انتفاعهم بطرق متعددة، بما في ذلك من يخضع لبرامج التأمين العسكري أو المدني، والبالغين غير المؤمنين ممن تتراوح أعمارهم بين 20 و60 عاما. ويعتمد البرنامج في صميمه على التحول إلى نموذج تأميني مستدام، من خلال إصدار بطاقة إلكترونية للمستفيدين عبر تطبيق سند.

في تقديري، فإن البرنامج، والذي تبلغ كلفته الإجمالية نحو 132.5 مليون دينار تتحمل الحكومة منها 124 مليون دينار، فيما تتكفل مؤسسة الحسين للسرطان بباقي المبلغ، يبدد القلق الذي كان يعتري الجميع، وخصوصا كبار السن، من خطر الإصابة بمرض السرطان، والخوف من التكاليف الباهظة، ومتاهة الإجراءات الإدارية.

كما أنه نتاج ملموس لنموذج حوكمة رقمي يستحق أن يُدرس ويُكيّف ليُطبق على مختلف مفاصل الخدمات الحكومية. فقد تحوّل هذا الإنجاز الوطني إلى واقع يومي يلمسه المواطن. وما يجعل منه قصة نجاح في القطاع الصحي هو أنه يترجم طبيعة العلاقة المنشودة مع الدولة عندما تُصاغ السياسات العامة على أساس النتائج لا الإجراءات. كما يكرّس حقيقة اقتصادية لم تتمكن كثير من الأنظمة الصحية في المنطقة من ترجمتها عمليا، وهي أن علاج السرطان في مراحله المتأخرة قد يكلّف أربعة أضعاف تكلفة علاجه في مراحله المبكرة، وبالتالي فإن بناء منظومة تُزيل العوائق أمام التشخيص والتدخل المبكر هو قرار ذو بعد استراتيجي مهم.

ما يعنيه البرنامج ببساطة، والذي ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي، أن إحدى المسؤوليات الأساسية للدولة تجاه مواطنيها، والمتمثلة في حمايتهم في واحدة من أكثر لحظات حياتهم هشاشة وضعفا، قد تحولت إلى منظومة قابلة للتنفيذ والقياس والمتابعة.

وللعلم، فإن عددا كبيرا من المرضى وأسرهم أشادوا بخدمات مركز الحسين للسرطان، والتي تجمع، في نظرهم، بين الكفاءة العلاجية والفعالية المؤسسية والمعاملة الراقية. وقد جاء كل ذلك ثمرة مباشرة لنهج جمع بين الإرادة السياسية، والتميّز المؤسسي، والتحول الرقمي.

إن الدرس الأهم الذي يقدمه برنامج رعاية هو أن الحوكمة الرشيدة قابلة للتعميم على مختلف مرافق الدولة. فالمنظومة التي نجحت في تقديم هذا البرنامج، وفق أفضل الممارسات العالمية، قادرة، إذا ما طُبّقت بالقدر نفسه من المسؤولية والمهنية والانضباطية، على إحداث تحول جذري في آلية تقديم الخدمات إلى المواطنين في مختلف القطاعات، لا سيما تلك التي ما نزال نتطلع فيها إلى مهنية وكفاءة أعلى.

ويبقى الأمل أن نصل لذلك يوما ما. "وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ".

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ