في بعض اللحظات، تتجاوز الرياضة حدود الفوز والخسارة، وتصبح مناسبة لاكتشاف الذات الوطنية واستحضار أجمل ما في الشعوب من قيم الانتماء والوفاء. وهذا تماماً ما صنعته مشاركة النشامى في كأس العالم؛ إذ بدا الأردنيون، في الداخل والخارج، أكثر اعتزازاً بوطنهم، وأكثر إيماناً بأن قيمة الإنجاز لا تُقاس فقط بنتيجة مباراة، بل بما تتركه من أثر في الوجدان الوطني.
فبغض النظر عن النتيجة التي انتهت إليها المباراة، فقد انتصر الأردن في مشهده الوطني الجامع. انتصر بصورة شعبه وهو يلتف حول رايته، ويفخر بمنتخبه الذي وصل إلى أكبر محفل كروي عالمي، وانتصر بقيم الوحدة والتكاتف التي ظهرت بوضوح في كل مكان.وكان لحضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، إلى جانب أصحاب السمو الملكي الأمراء، في مدرجات الاستاد، دلالة وطنية عميقة. فالحضور لم يكن لمتابعة مباراة فحسب، بل كان رسالة اعتزاز بالوطن وبأبنائه، ورسالة دعم وثقة بالنشامى، وتأكيداً على أن الفرح الأردني هو فرح مشترك، وأن الوقوف خلف ممثلي الوطن لا يرتبط بنتيجة، بل بالإيمان بما يمثلونه من طموح وعزيمة وإصرار.في مدينة سان فرانسيسكو، بعيداً عن الوطن جغرافياً، كان الأردن حاضراً بكل تفاصيله. فقد احتشدت الجماهير الأردنية بأعداد كبيرة خارج أسوار الملعب، في مشهد استثنائي جسّد عمق الانتماء، حيث امتزجت الأهازيج بالأعلام، وتحولت الساحات إلى لوحة وطنية نابضة بالفخر والاعتزاز. لم يكن السؤال هناك عن النتيجة بقدر ما كان عن الفرحة برؤية الأردن بين كبار العالم، وعن الشعور بأن هذا الوطن الصغير بمساحته كبير بأبنائه وطموحه.اما عمّان، فكان "المدرج الروماني " وساحات الفخر في كل مدننا الاردنية وقراه وبواديه ، صورة أخرى من هذا المشهد؛ آلاف الأردنيين المتآلفة قلوبهم على حب الوطن ، تجمعوا حول حلم واحد، وهتفوا باسم الأردن قبل أي شيء آخر. كانت الفرحة بالمشاركة، والفخر بالوصول، والاعتزاز براية الوطن التي ارتفعت في أكبر المحافل، كلها مشاعر غلبت لغة الأرقام والنتائج.أعتقد أن الحالة الأردنية اليوم و التي تجلت في هذه المناسبة تستحق أن تُدرس وتُبنى عليها؛ فهي حالة خاصة، يتقدم فيها حب الوطن على كل اعتبار، ويصبح الإنجاز الوطني ملكاً للجميع. وهي رسالة تؤكد أن الأردنيين، حين يجتمعون حول وطنهم، يصنعون قوة معنوية هائلة، تجعل من كل تحدٍ فرصة، ومن كل مشاركة قصة فخر، ومن كل محطة بداية جديدة لطموح أكبر.لقد كانت المباراة مناسبة رياضية، لكنها كانت قبل ذلك وبعده مناسبة وطنية بامتياز، خرج منها الأردنيون أكثر اعتزازاً بوطنهم، وأكثر إيماناً بأن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي، أكبر من نتيجة مباراة، وأن رايته ستظل دائماً عنواناً للفخر والكرامة والإنجاز.من سان فرانسيسكو إلى المدرج.. الأردن يكتب حكاية وطنٍ يهتف بصوت واحد.
مأمون المساد
mamoonmassad0@gamil.com
من سان فرانسيسكو إلى المدرج.. الأردن يكتب حكاية وطنٍ يهتف بصوت واحد.
مأمون المساد
mamoonmassad0@gamil.com
mamoonmassad0@gamil.com
مدار الساعة ـ