ليست كل المدن قادرة على أن تحوّل حجارتها إلى ذاكرة، ولا كل المهرجانات تملك القدرة على أن تتحول إلى جزء من وجدان شعب،، وحدها جرش، وهي تستند إلى آلاف السنين من الحضارة، تعرف كيف تجعل من الفن رسالة، ومن الثقافة هوية، ومن التاريخ جسراً يمتد بين الأمس والغد.
وعندما تقترب لحظة الإعلان عن دورة جديدة لمهرجان جرش للثقافة والفنون، فإن الأمر لا يتعلق ببرنامج فني أو رزنامة احتفالية، بل بملامح رؤية وطنية تتشكل، وبمشروع ثقافي يبدو أنه يمضي نحو مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً، حاملاً حلة جديدة تليق بمكانة الأردن وتاريخه وحضارته.فجرش لم يعد مجرد مسرح تستضيف مدرجاته الفنانين، بل أصبح عنواناً لقصة وطن آمن بأن الثقافة إحدى أدوات بناء الدولة، وأن الفنون ليست ترفاً، بل قوة ناعمة تصنع الوعي، وتحفظ الهوية، وتعكس الوجه المشرق للأردن أمام العالم.ويبدو أن القادم يحمل فلسفة مختلفة، تتجاوز حدود العروض التقليدية إلى فضاء أوسع، يلتقي فيه التاريخ بالإبداع، والتراث بالحداثة، والشباب بتجاربهم الجديدة، لتتحول جرش إلى منصة وطنية وثقافية وإنسانية، تروي حكاية الأردن بلغة الفن والحضارة.إن الرهان الحقيقي ليس على إقامة مهرجان ناجح فحسب، بل على ترسيخ رسالة تؤكد أن هذا الوطن، الذي استطاع أن يحافظ على إرثه عبر العصور، قادر أيضاً على إعادة تقديمه برؤية عصرية تحترم الماضي وتخاطب المستقبل.ففي كل حجر من حجارة جرش حكاية، وفي كل مدرج نبض أمة، وفي كل أمسية فنية رسالة تقول إن الأردن لا يكتفي بحراسة تاريخه، بل يعيد إنتاجه للأجيال القادمة بصورة أكثر إشراقاً وحيوية.وربما تكون المرحلة المقبلة هي الأهم في مسيرة هذا المهرجان العريق؛ مرحلة تعيد تعريفه بوصفه مشروعاً وطنياً وثقافياً متكاملاً، يحمل رسالة الدولة في تعزيز الهوية، وترسيخ الانتماء، والانفتاح على العالم بثقة حضارة ضاربة في عمق التاريخ.وحين ترتفع الستارة قريباً، لن يكون المشهد مجرد احتفال جديد، بل إعلاناً بأن جرش ما زال قادراً على التجدد، وأن الأردن ما زال يكتب روايته بالحضارة، ويؤمن بأن الأمم التي تصون ذاكرتها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها.الزعبي يكتب: مهرجان جرش.. يستعد لولادة جديدة تليق بتاريخ وطن
مدار الساعة ـ