ثمة كتبٌ لا تكتفي بسرد الوقائع، وإنما تقتحم المناطق المعتمة من التاريخ، وتدفع القارئ إلى إعادة النظر في أحداث ظنّ أنه يعرفها، فإذا به يكتشف أن ما خفي منها أكبر بكثير مما ظهر. ومن هذا القبيل كتاب "وقائع سنوات الجهاد: رحلة الأفغان العرب" للكاتب محمد صلاح، الصادر سنة 2001، وهو كتاب لا يروي قصة أفرادٍ حملوا السلاح في جبال أفغانستان فحسب، بل يروي قصة مرحلة كاملة من تاريخ العالم العربي والإسلامي، مرحلة تشابكت فيها السياسة بالدين، والحرب بالاستخبارات، والأحلام الكبرى بالمصالح الدولية، فكانت النتيجة واحدة من أكثر الظواهر تأثيرًا وإثارة للجدل في العقود الأخيرة.
يأتي الكتاب في وقت كانت فيه صورة "الأفغان العرب" ما تزال تتشكل في الوعي العربي والعالمي. فقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأشهر قليلة، وقبل أن تتحول أفغانستان إلى مركز اهتمام العالم بأسره، كان المؤلف يحاول تتبع الخيوط الأولى لهذه الظاهرة، والبحث في مساراتها وأسباب نشأتها وتحولاتها. ولهذا يكتسب الكتاب أهمية خاصة، لأنه كُتب في لحظة تاريخية سابقة للزلزال السياسي والأمني الذي أعاد تشكيل العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين.والقارئ الذي يفتح صفحات هذا الكتاب سرعان ما يكتشف أنه أمام سردية متعددة المستويات؛ فهناك المستوى التاريخي الذي يتابع تطورات الحرب الأفغانية منذ الاجتياح السوفييتي عام 1979، وهناك المستوى السياسي الذي يكشف شبكة المصالح والتحالفات التي أحاطت بتلك الحرب، وهناك المستوى الفكري الذي يتناول التحولات التي شهدتها الحركات الإسلامية المسلحة، وهناك المستوى الإنساني الذي يرصد مصائر آلاف الشبان الذين تركوا أوطانهم متجهين إلى أرض بعيدة لا يعرفون عنها إلا أنها أصبحت ساحة لما اعتُبر آنذاك "جهادًا" ضد قوة عظمى.ومن أبرز ما يلفت الانتباه في الكتاب أنه يبدد الصورة المبسطة التي سادت طويلًا حول الحرب الأفغانية. فهذه الحرب لم تكن، كما صُوّرت في كثير من الخطابات، مواجهةً مباشرة بين شعب محتل وقوة غازية فحسب، بل كانت جزءًا من صراع دولي هائل بين المعسكرين الشرقي والغربي. كانت أفغانستان إحدى ساحات الحرب الباردة، وكانت الجبال الأفغانية مسرحًا لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى. وفي خضم ذلك الصراع تدفقت الأموال والأسلحة والدعاية السياسية والدينية من جهات متعددة، وتحولت أفغانستان إلى نقطة التقاء لمصالح متناقضة جمعت بين دول كبرى وأنظمة إقليمية وتنظيمات عقائدية.ويكشف الكتاب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للأحداث الكبرى أن تخلق تحالفات تبدو مستحيلة في الظروف العادية. ففي مواجهة الاتحاد السوفييتي التقت مصالح أطراف كثيرة، بعضها لم يكن يجمعها أي رابط فكري أو سياسي. غير أن التحالفات التي تُبنى على الضرورات المؤقتة غالبًا ما تحمل في داخلها بذور تفككها. ولذلك ما إن انتهت الحرب حتى بدأت التناقضات الكامنة بالظهور، وبدأ رفاق الأمس يتحولون إلى خصوم، وبدأت التنظيمات التي حظيت بالدعم والاحتضان تجد نفسها في مواجهة الأنظمة والدول التي ساندتها في مرحلة سابقة.ولا يكتفي محمد صلاح بتتبع العلاقات بين الدول والتنظيمات، بل يتوقف عند الصراعات الداخلية التي عصفت بالحركات الإسلامية المسلحة نفسها. فالقارئ يكتشف أن المشهد لم يكن متجانسًا كما تصوره بعض الأدبيات الدعائية. فقد كانت هناك خلافات فكرية وتنظيمية وشخصية عميقة، تدور أحيانًا حول طبيعة العمل المسلح، وأحيانًا حول الأولويات السياسية، وأحيانًا حول القيادة والنفوذ. ومن خلال هذه الصراعات تتضح صورة أكثر تعقيدًا للظاهرة، صورة تكشف أن الحركات الأصولية لم تكن كتلة واحدة، بل عوالم متعددة تتنازعها الرؤى والمصالح والتوجهات.ومن الجوانب المهمة التي يضيء عليها الكتاب تلك الرحلة الطويلة التي قطعها "الأفغان العرب" من أوطانهم إلى ساحات القتال. فقد جاءت أعداد كبيرة من الشباب من بلدان عربية مختلفة، مدفوعة بمزيج من الحماسة الدينية والرغبة في التغيير والشعور بالواجب الأخلاقي تجاه قضية جرى تصويرها بوصفها معركة فاصلة بين الإيمان والكفر. غير أن كثيرًا من هؤلاء وجدوا أنفسهم، بعد سنوات القتال، أمام واقع مختلف تمامًا عما حلموا به. فقد انتهت الحرب، وتغيرت التحالفات، وأصبح المقاتلون السابقون عبئًا على كثير من الأنظمة التي كانت تشجعهم أو تتغاضى عن سفرهم في مراحل سابقة.وهنا يكتسب الكتاب بعدًا تراجيديًا واضحًا. فالكثير من أولئك العائدين لم يعودوا أبطالًا في نظر دولهم، بل أصبحوا موضع شبهة وملاحقة. استقبلتهم السجون بدل ساحات التكريم، وطاردتهم الأجهزة الأمنية بدل أن تحتفي بهم. وبعضهم اختفى في المعتقلات سنوات طويلة، وبعضهم دفع حياته ثمنًا لتحولات سياسية لم يكن طرفًا في صنعها. وهكذا تحولت رحلة الذهاب إلى أفغانستان، التي بدأت باعتبارها رحلة بطولة وخلاص، إلى رحلة مليئة بالمطاردات والهزائم والانكسارات.ومن القضايا اللافتة التي يثيرها الكتاب مسألة صناعة الأبطال وصناعة الأعداء في الوقت ذاته. فالتاريخ السياسي الحديث مليء بأمثلة لقوى دعمت جماعات أو حركات في مرحلة معينة، ثم تحولت إلى محاربتها لاحقًا. ومن خلال تتبع مسار "الأفغان العرب" يدرك القارئ أن كثيرًا من الظواهر السياسية لا يمكن فهمها بمعزل عن الظروف التي أنتجتها، ولا عن المصالح التي غذّتها، ولا عن التحولات التي غيرت موقعها في خريطة الصراع.كما يلفت الكتاب النظر إلى الدور الكبير الذي لعبه الخطاب الديني والإعلامي في تعبئة الشباب وتوجيههم نحو ساحات القتال. فقد ساهمت الخطب والفتاوى والكتب والمنشورات والأشرطة الصوتية في بناء صورة مثالية للحرب الأفغانية، وجعلتها تبدو للكثيرين طريقًا مختصرًا إلى البطولة والخلاص الفردي والجماعي. غير أن الكتاب يكشف الفجوة الكبيرة بين الصورة المتخيلة والواقع الفعلي، وبين الخطاب الحماسي وتعقيدات السياسة والحرب.وإذا كان المؤلف قد ركز على الوقائع والأحداث، فإن القارئ يستطيع أن يقرأ بين السطور قصة جيل كامل عاش أحلامًا كبرى وانتهى إلى مصائر متباينة. جيل خرج من بلاده باحثًا عن معنى ورسالة، فعاد ليجد نفسه في قلب صراعات أكثر تعقيدًا مما تخيل. ولذلك فإن الكتاب لا يروي سيرة تنظيم أو حركة فحسب، بل يروي جانبًا من سيرة مرحلة عربية مضطربة، كانت فيها المنطقة كلها تعيش تحولات عاصفة أعادت تشكيل أفكارها وصراعاتها وموازين قواها.وفي النهاية، لا تكمن قيمة كتاب "وقائع سنوات الجهاد" في كونه سجلًا للأحداث وحدها، بل في كونه شهادة على مرحلة تاريخية ما تزال آثارها حاضرة في الواقع العربي والعالمي. إنه كتاب يضع القارئ أمام أسئلة كبرى تتعلق بالعلاقة بين الدين والسياسة، وبين الأيديولوجيا والمصالح، وبين الحلم والواقع. كما يكشف أن التاريخ لا يصنعه الأبطال وحدهم، ولا الحكومات وحدها، بل تصنعه أيضًا تلك الشبكات الخفية من المصالح والتحالفات والقرارات التي تعمل في الظل، ثم تظهر نتائجها بعد سنوات لتغير وجه العالم.ولعل أهم ما يخرج به القارئ من هذه الرحلة الطويلة أن ظاهرة "الأفغان العرب" لم تكن حدثًا عابرًا في تاريخ المنطقة، بل كانت نقطة تحول كبرى امتدت آثارها إلى ما بعد نهاية الحرب الأفغانية بسنوات طويلة. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب بوصفه وثيقة تساعد على فهم جانب من تاريخ معاصر ما يزال مفتوحًا على الأسئلة، وما تزال كثير من صفحاته بحاجة إلى قراءة جديدة ومراجعة أعمق.أبو لبن يكتب: رحلة الأفغان العرب: قراءة في كتاب 'وقائع سنوات الجهاد'
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
أبو لبن يكتب: رحلة الأفغان العرب: قراءة في كتاب 'وقائع سنوات الجهاد'
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ