أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بني بكار تكتب: الذكاء الاصطناعي ومستقبل الاستخبارات العالمية.. 'الجواسيس الذين لا ينامون'


مريم بسام بني بكار القادري

بني بكار تكتب: الذكاء الاصطناعي ومستقبل الاستخبارات العالمية.. 'الجواسيس الذين لا ينامون'

مدار الساعة ـ

ان التحول غير المسبوق الذي يشهده العالم والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي اثر على طبيعة العمل الاستخباراتي ، فلم تعد أجهزة الاستخبارات تعتمد فقط على العملاء السريين ووسائل الرصد التقليدية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الخوارزميات الذكية القادرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي. وبسبب هذا التحول فان المعلومات والبيانات أصبحت تمثل الثروة الاستراتيجية الأهم في القرن الحادي والعشرين، وان القدرة على فهمها واستثمارها أحد أبرز عناصر القوة والنفوذ العالمي.

لقد انتقلت الاستخبارات الحديثة من مرحلة جمع المعلومات وتحليلها بعد وقوع الأحداث إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على التنبؤ بالمخاطر واستشراف الأزمات قبل حدوثها. فمن خلال تحليل البيانات القادمة من وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات الرقمية والصور الفضائية والمعاملات الاقتصادية والمصادر المفتوحة، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي اكتشاف أنماط وعلاقات خفية قد تعجز العين البشرية عن ملاحظتها، مما يمنح صناع القرار إنذاراً مبكراً تجاه التهديدات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ولا تقتصر أهمية هذه التقنيات على السرعة والدقة فحسب، بل تمتد إلى قدرتها على بناء نماذج تنبؤية متقدمة تساعد في فهم السلوك البشري والجماعي وتوقع التحولات المستقبلية. ولهذا بدأت بعض الدول الكبرى بالاعتماد على ما يعرف بـ"الاستخبارات التنبؤية"، التي تسعى إلى توقع الأزمات والاضطرابات والتحركات العسكرية والهجمات الإرهابية قبل وقوعها، وهو ما يمنحها أفضلية استراتيجية كبيرة في إدارة الصراعات وصناعة القرار.

اما من ناحية الأمن السيبراني، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذا حدين؛ فهو يساعد الحكومات والمؤسسات على كشف الهجمات الإلكترونية والاستجابة لها بسرعة وكفاءة، لكنه في الوقت نفسه يمنح الجهات المعادية والجماعات الإجرامية أدوات أكثر تطوراً لتنفيذ هجمات معقدة يصعب اكتشافها. وبذلك بات الصراع في الفضاء الرقمي يدور بين خوارزميات هجومية وأخرى دفاعية تتنافس باستمرار على التفوق والسيطرة.

كما أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة نوعية في تحليل الصور الفضائية والاستطلاع الجغرافي، حيث أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على رصد التحركات العسكرية والتغيرات اللوجستية وبناء المنشآت الحساسة بشكل شبه فوري، الأمر الذي عزز من قدرات الدول على المراقبة والمتابعة المستمرة للأحداث والتطورات الدولية.

ومن أبرز المفاهيم التي ظهرت في السنوات الأخيرة مفهوم "الاستخبارات المستقلة"، حيث أصبحت بعض الأنظمة قادرة على جمع المعلومات وتحليلها وتقييم المخاطر وإعداد التوصيات بصورة شبه ذاتية. ورغم ما يوفره ذلك من كفاءة وسرعة، فإنه يثير تساؤلات مهمة حول مدى الثقة في قرارات الآلة، وحدود تدخل العنصر البشري، والمسؤولية القانونية والأخلاقية في حال وقوع أخطاء في التقدير أو التحليل.

وفي سباق النفوذ العالمي، لم تعد المنافسة تقتصر على الموارد الطبيعية أو القدرات العسكرية التقليدية، بل أصبحت البيانات محوراً رئيسياً للصراع الدولي. فالدول التي تمتلك القدرة على الوصول إلى البيانات الضخمة وتحليلها واستثمارها تمتلك في الوقت ذاته قدرة أكبر على التأثير وصناعة القرار وحماية مصالحها الاستراتيجية.

كما برز مفهوم جديد يعرف بـ"الردع الخوارزمي"، والذي يقوم على استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد تحركات الخصوم ونواياهم بصورة لحظية، مما يسمح باتخاذ إجراءات استباقية قبل تحول التهديدات إلى واقع فعلي. وفي السياق ذاته، ظهرت مخاوف متزايدة من ما يسمى بـ"حرب العقول الرقمية"، حيث يمكن استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل اتجاهات الرأي العام والتأثير في الإدراك البشري وتوجيه السلوك الجمعي عبر حملات معلوماتية ونفسية واسعة النطاق.

ويحذر العديد من الخبراء من أن أخطر جاسوس في المستقبل قد لا يكون إنساناً متخفياً أو عميلاً سرياً، بل خوارزمية ذكية قادرة على جمع وتحليل كل ما ينشره الأفراد ويبحثون عنه ويتفاعلون معه رقمياً، لتكوين ملفات دقيقة تكشف اهتماماتهم وسلوكياتهم وتوقعاتهم المستقبلية بدرجات غير مسبوقة من الدقة.

وبالرغم من الفوائد الهائلة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز القدرات الاستخباراتية، إلا أنه يفرض تحديات أخلاقية وقانونية معقدة تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات وحقوق الإنسان فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الذكية على المراقبة والتحليل، ازدادت الحاجة إلى أطر تشريعية ورقابية تضمن عدم إساءة استخدام هذه التقنيات وتحافظ على التوازن بين الأمن والحريات.

إن العالم يقف اليوم أمام ثورة استخباراتية تعيد صياغة مفهوم القوة في العصر الحديث. وفي زمن "الجواسيس الذين لا ينامون"، لم يعد التحدي الحقيقي امتلاك المعلومات فقط، بل امتلاك القدرة على فهمها وتحليلها والتنبؤ بمساراتها. وبينما تتسابق الدول الكبرى لتطوير منظومات استخباراتية قائمة على الذكاء الاصطناعي، يبدو أن مستقبل النفوذ العالمي لن تحدده الجيوش والأسلحة وحدها، بل ستسهم في رسم ملامحه خوارزميات ذكية قد تصبح اللاعب الأكثر تأثيراً في معادلات الأمن والصراع خلال العقود المقبلة.

مدار الساعة ـ