أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزيود يكتب: بين الكرامة والتنمية والإنسانية... سر العلاقة الاستثنائية بين الأردنيين وجيشهم


غسان الزيود
أمين سر المجلس المركزي للحزب الوطني الإسلامي

الزيود يكتب: بين الكرامة والتنمية والإنسانية... سر العلاقة الاستثنائية بين الأردنيين وجيشهم

غسان الزيود
غسان الزيود
أمين سر المجلس المركزي للحزب الوطني الإسلامي
مدار الساعة ـ

ثمة علاقة خاصة تربط الأردنيين بجيشهم العربي، علاقة تتجاوز حدود الاحترام الذي تمنحه الشعوب عادة لمؤسساتها العسكرية، لتصل إلى مستوى الانتماء الوجداني العميق والثقة الراسخة والفخر المتبادل. ولعل المتأمل في المشهد الأردني يدرك أن الجيش العربي ليس مجرد مؤسسة للدفاع عن الحدود وحماية السيادة، بل هو أحد أهم الأعمدة التي قامت عليها الدولة الأردنية الحديثة، وأحد أبرز العوامل التي أسهمت في بناء الإنسان الأردني وصناعة الاستقرار والتنمية على امتداد الوطن.

ولعل سر هذه العلاقة الاستثنائية يعود إلى أن الجيش العربي الأردني لم يكن يوماً بعيداً عن المجتمع أو منفصلاً عنه، بل كان على الدوام جزءاً أصيلاً من نسيجه الوطني. فمن صفوفه خرج أبناء القرى والبوادي والمخيمات والمدن، وحملوا معهم قيم المجتمع الأردني القائمة على الشهامة والوفاء والانضباط والتضحية. لذلك لم ينظر الأردنيون إلى الجيش باعتباره مؤسسة رسمية فحسب، وإنما باعتباره صورة للوطن نفسه، وعنواناً لوحدته وتماسكه وهويته.

وعندما يُذكر الجيش العربي، تتجه الذاكرة الوطنية مباشرة نحو محطات العز والفخار التي سطرها الأردنيون بدمائهم وتضحياتهم. فمن أسوار القدس وباب الواد واللطرون عام 1948، إلى معركة الكرامة الخالدة عام 1968 التي شكلت نقطة تحول في التاريخ العربي المعاصر، أثبت الجيش العربي أنه جيش عقيدة ورسالة، وأن حماية الوطن والدفاع عن الأمة ليست مجرد مهمة عسكرية، بل التزام أخلاقي ووطني متجذر في وجدانه.

لكن ما يجعل تجربة الجيش الأردني فريدة هو أن دوره لم يتوقف عند حدود الواجب العسكري. فمنذ نشأة الدولة الأردنية كان الجيش شريكاً رئيساً في عملية البناء والتنمية. ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تخطو خطواتها الأولى نحو التحديث، كانت وحدات القوات المسلحة تصل إلى المناطق الأكثر بعداً واحتياجاً، تنشئ الطرق، وتحفر الآبار، وتقيم الحفائر والسدود الترابية، وتسهم في استقرار التجمعات السكانية في البادية والأطراف، لتصبح التنمية جزءاً أصيلاً من رسالتها الوطنية.

وفي القطاع الصحي، قدمت الخدمات الطبية الملكية نموذجاً وطنياً استثنائياً جعل اسم الأردن حاضراً بقوة على خارطة الطب الإقليمية. فعبر مستشفياتها ومراكزها الطبية المنتشرة في مختلف محافظات المملكة، لم تكتفِ بتقديم الرعاية الصحية لمئات الآلاف من المواطنين، بل ساهمت في إعداد أجيال من الأطباء والكفاءات الطبية التي قادت النهضة الصحية الأردنية، حتى أصبح الطبيب الأردني سفيراً للكفاءة والتميز في مختلف دول العالم.

أما في مجال التعليم، فقد آمنت القوات المسلحة بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم في مستقبل الوطن. ولهذا انتشرت مدارس الثقافة العسكرية في مختلف المحافظات، خصوصاً في المناطق الأقل حظاً، وأسهمت برامج البعثات والمنح الدراسية لأبناء العسكريين والمتقاعدين في تمكين عشرات الآلاف من الشباب من استكمال تعليمهم الجامعي، الأمر الذي انعكس إيجاباً على التنمية البشرية والاجتماعية في الأردن.

وعلى الصعيد الإنساني، ربما يصعب حصر الأدوار التي اضطلع بها الجيش العربي خارج حدود الوطن. فالأردن يُعد من الدول الرائدة عالمياً في المشاركة بعمليات حفظ السلام الدولية، وقد خدم عشرات الآلاف من نشامى القوات المسلحة تحت راية الأمم المتحدة في مناطق النزاعات والكوارث حول العالم، حاملين معهم رسالة الأردن القائمة على السلام والإنسانية واحترام الكرامة البشرية.

وفي السنوات الأخيرة، تجلت هذه الرسالة الإنسانية بصورة لافتة في قطاع غزة، حيث واصلت القوات المسلحة الأردنية أداء دورها الإغاثي والطبي والإنساني رغم الظروف المعقدة. فالمستشفيات الميدانية الأردنية ظلت شاهدة على التزام الأردن الأخلاقي تجاه الأشقاء، فيما أصبحت عمليات الإنزال الجوي للمساعدات الغذائية والطبية رمزاً عالمياً للمبادرة الإنسانية والشجاعة في الوصول إلى المحتاجين في أصعب الظروف.

ولم تقتصر مساهمة الجيش على الأمن والتنمية والإنسانية، بل امتدت إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الأردني. فمن خلال المؤسسة الاستهلاكية العسكرية وصندوق الإسكان العسكري والعديد من البرامج الاجتماعية والتنموية، أسهمت القوات المسلحة في تحسين مستوى معيشة عشرات الآلاف من الأسر الأردنية، وترسيخ قيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية.

وربما يكمن جوهر العلاقة الاستثنائية بين الأردنيين وجيشهم في حقيقة بسيطة لكنها عميقة الدلالة؛ وهي أن هذه المؤسسة كانت دائماً في خندق الوطن والمواطن. فلم يعرف الأردنيون جيشهم إلا مدافعاً عن حدودهم، حامياً لأمنهم، مسانداً لهم في الأزمات والكوارث، وحاضراً إلى جانبهم في الظروف الصعبة. ولهذا ترسخت الثقة المتبادلة بين المجتمع والقوات المسلحة، وأصبحت المؤسسة العسكرية واحدة من أكثر المؤسسات الوطنية حضوراً واحتراماً في الوعي الجمعي الأردني.

لقد واجه الأردن خلال العقود الماضية تحديات جسيمة، من أزمات إقليمية وحروب وموجات لجوء وضغوط اقتصادية وأمنية متلاحقة، إلا أن الجيش العربي بقي صمام الأمان الوطني، والدرع الذي يستند إليه الأردنيون بثقة واطمئنان. فكلما اشتدت التحديات، ازداد حضور الجيش في المشهد الوطني، ليس فقط بقوته العسكرية، بل أيضاً بقيمه الإنسانية ووظيفته التنموية ودوره المجتمعي.

لهذا كله، لم تكن محبة الأردنيين لجيشهم مجرد مشاعر عابرة أو رد فعل مؤقت، بل هي حصيلة قرن كامل من العطاء والتضحية والبناء. قرنٌ كتب فيه الجيش العربي تاريخه بدماء الشهداء، وبجهود البنّائين، وبأخلاق النشامى الذين جعلوا من المؤسسة العسكرية مدرسة وطنية في الانتماء والإخلاص وخدمة الإنسان.

وفي يوم الجيش وذكرى الثورة العربية الكبرى، نستحضر بكل فخر هذه المسيرة المضيئة، ونحيّي نشامى ونشميات القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، الذين يواصلون أداء رسالتهم بكل كفاءة واقتدار، مؤكدين أن الجيش سيبقى كما أراده الهاشميون والأردنيون على الدوام: جيش الوطن، وحارس الدولة، وعنوان الكرامة والتنمية والإنسانية.

مدار الساعة ـ