أيام قليلة تفصلنا عن الحدث الرياضي الأكبر على مستوى العالم، بطولة كأس العالم، ذلك الحدث الذي بات منصة عالمية تتقاطع فيها الرسائل الثقافية والسياحية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية.
فمن لباس مشجع يحمل هوية بلده، إلى لقطة عفوية للاعب بعد تسجيل هدف، إلى مؤتمر صحفي يسبق المباراة أو يعقبه، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى رسائل تصل إلى مئات الملايين حول العالم. واليوم، فإن ما يجعل هذه النسخة من كأس العالم مختلفة بالنسبة لنا هو أن الأردن لن يكون مجرد متابع أو مشجع بين الجماهير، بل سيكون حاضرًا بمنتخبه الوطني للمرة الأولى في تاريخه، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.لست مختصًا بالشأن الرياضي، لكنني كنت متابعًا لمسيرة المنتخب الوطني وكيف استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يفرض نفسه كمنتخب يمتلك الشخصية والروح والعزيمة والإصرار، وأن يقدم نموذجًا مشرّفًا للرياضة الأردنية. وهذا الإنجاز لا يمنح المنتخب وحده فرصة الظهور، بل يفتح أمام مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع بأكمله مساحة واسعة للتعامل مع الحدث العالمي بمنظور أشمل من كرة القدم.فعلى المستوى السياحي، وهو أحد أهم القطاعات الاقتصادية الوطنية، يجب أن نبدأ منذ الآن بحملات ترويجية مبتكرة وغير تقليدية. فنحن لسنا دولة تبحث عن فرصة للظهور على هامش الحدث، بل دولة مشاركة في البطولة، ولذلك فإن أدوات الترويج يجب أن تتجاوز اللوحات الإعلانية التقليدية لتصل إلى استثمار كل مساحة إعلامية متاحة.هناك لاعب أردني قد يتصدر عناوين الأخبار بأدائه أو حديثه أو حتى بظهوره بلمسة من تراثه الوطني، وهناك مشجعون في المدرجات يحملون هويتهم الأردنية بفخر، وهناك مئات المقابلات التي ستُجرى قبل المباريات وبعدها ويتابعها الملايين حول العالم، وهذه المساحات الإعلامية يجب أن تُدار ضمن رؤية وخطة استراتيجية متكاملة تستثمر في الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.أما على المستوى الدبلوماسي، فإن الأردن يمتلك رصيدًا كبيرًا من الاحترام والمكانة الدولية بفضل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني وجهوده المستمرة في تعزيز السلام والاستقرار والحوار بين الشعوب، وكأس العالم يشكل فرصة إضافية لإبراز صورة الأردن كدولة اعتدال وتسامح ورسالة حضارية للعالم.وعلى الصعيد الثقافي، فإن المجال واسع لإبراز الهوية الوطنية الأردنية بكل ما تحمله من إرث حضاري وتاريخي وإنساني، فالأردن قصة حضارات متعاقبة وثقافات غنية وتنوع إنساني يستحق أن يُقدَّم للعالم بأفضل صورة ممكنة.ولا يقل الجانب الاستثماري والتجاري أهمية عن الجوانب الأخرى، بل ربما يكون أحد أكثر الملفات القادرة على تحقيق مكاسب مستدامة للأردن بعد انتهاء البطولة، وفي هذا السياق، لفت انتباهي بإعجاب كبير ما شهدناه من مبادرات فردية يقودها شباب أردنيون في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا في ولاية نيوجيرسي، بهدف دعم المنتجات الأردنية والتعريف بها وفتح أسواق جديدة لها.هذه المبادرات الوطنية تستحق التقدير والدعم، لأنها تقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل الانتماء الوطني إلى فرص اقتصادية حقيقية، كما أنها تؤكد وجود طاقات أردنية في الخارج تمتلك الرغبة والقدرة على خدمة الاقتصاد الوطني إذا ما توفرت لها الشراكة والدعم المناسبان.ومن هنا، فإنني أرى أن على الحكومة الأردنية تبني مثل هذه المبادرات ومساندتها، وأن يعمل القطاع الخاص على الاستفادة منها والبناء عليها، خاصة في ظل الزخم الإعلامي والجماهيري العالمي الذي سيرافق مشاركة الأردن التاريخية الأولى في كأس العالم، فهذه فرصة استثنائية لتعزيز حضور المنتج الأردني في الأسواق الدولية، والترويج للاستثمار في المملكة، وبناء شراكات اقتصادية وتجارية جديدة يمكن أن تستمر آثارها لسنوات طويلة.إن المطلوب اليوم هو البدء فورًا وعدم التأخر، المطلوب هو العمل بروح الفريق الواحد بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجاليات الأردنية في الخارج، كما أن أي فكرة وطنية يقدمها شاب أو شابة أردنية محبة لوطنها تستحق أن تجد من يستمع إليها ويطوّرها ويمنحها فرصة النجاح.لقد تحقق الحلم، ووصل النشامى إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخهم، لكن الأهم من الوصول هو كيفية استثمار هذا الإنجاز الوطني الكبير ليصبح منصة لتعزيز صورة الأردن عالميًا، اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا واستثماريًا.وبين الدعم الملكي اللامحدود، والالتفاف الشعبي الصادق حول المنتخب، تقف أمامنا فرصة تاريخية قد لا تتكرر كثيرًا، فرصة سيرتفع فيها علم الأردن في حفل الافتتاح، ويُعزف فيها السلام الملكي أمام العالم أجمع، فليكن حضورنا بحجم هذا الإنجاز، ولنعمل جميعًا حتى يبقى وطننا خفاقًا في المعالي والمنى، عنوانًا للفخر والطموح والنجاح.الخلايلة يكتب: العالم سيشاهد الأردن في كأس العالم… فهل نحسن استثمار الفرصة؟
سلطان عبد الكريم الخلايلة
الخلايلة يكتب: العالم سيشاهد الأردن في كأس العالم… فهل نحسن استثمار الفرصة؟
مدار الساعة ـ