أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

زيادة الرواتب.. قرار يتجاوز القيمة المالية


مكرم الطراونة

زيادة الرواتب.. قرار يتجاوز القيمة المالية

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لا أظن أن كثيرين كانوا يتوقعون أن تعمد الحكومة إلى اتخاذ قرار بزيادة الرواتب في هذا الوقت بالذات، وهو وقت تتقاطع فيه التحديات الاقتصادية المحلية مع أزمات إقليمية متلاحقة ألقت بظلالها على مختلف القطاعات، ما أفرز حالة من عدم اليقين نتيجة النزاعات المستمرة، وما يرافقها من ضغوط على التجارة والاستثمار وحركة الأسواق، الأمر الذي جعل التوقعات تتجه غالبا نحو مزيد من الحذر المالي لا نحو اتخاذ قرارات تحمل أبعادا اجتماعية واقتصادية مباشرة.

لذلك، فالإعلان عن الزيادة أحدث أثرا إيجابيا واضحا لدى شريحة واسعة من المواطنين، خصوصا أسر المتقاعدين الذين يواجهون منذ سنوات تحديات متزايدة في التوفيق بين الدخل الثابت وارتفاع تكاليف المعيشة. فالمتقاعد، بخلاف كثير من العاملين، لا يملك عادة فرصة لتعويض تراجع قدرته الشرائية عبر البحث عن عمل إضافي أو تحسين دخله بوسائل أخرى، ما يجعل أي زيادة، مهما بدت محدودة، ذات أهمية مباشرة في حياته اليومية.

أولى فوائد هذه الزيادة، تبرز في بعدها الاجتماعي والإنساني، من خلال الشعور العام الذي تخلقه مثل هذه القرارات لدى الأسر المستفيدة منها، فعندما يشعر المواطن بأن مؤسسات الدولة تراقب أوضاعه المعيشية وتحاول التدخل للتخفيف من الأعباء الواقعة عليه، فإن ذلك يعزز حالة من الطمأنينة والثقة المتبادلة. لا نظن أن المواطن ينتظر من الدولة أن تحل جميع مشكلاته دفعة واحدة، لكنه يتطلع إلى أن يشعر بأنها حاضرة إلى جانبه، ومدركة لما يواجهه من صعوبات وضغوط متزايدة.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن الزيادة تحمل آثارا تتجاوز المستفيدين المباشرين منها، فالدخول الإضافية التي تصل إلى آلاف الأسر تتحول إلى إنفاق استهلاكي داخل السوق المحلي كتغطية للاحتياجات الأساسية، ومشتريات وخدمات مختلفة، ما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، ولو بدرجات متفاوتة. وقد لا تكون هذه الزيادة كافية لإحداث تحول اقتصادي كبير، لكنها قادرة على ضخ سيولة إضافية في الأسواق، ومنح بعض القطاعات التجارية متنفسا في مرحلة تتسم بالحذر والتباطؤ.

كذلك، فإن للقرار بعدا نفسيا واقتصاديا لا يقل أهمية عن أثره المالي المباشر، فالاقتصاد يتأثر بمزاج الناس وتوقعاتهم، وعندما يشعر المواطن بتحسن ولو محدود في قدرته الشرائية، فإنه يصبح أكثر استعدادا للإنفاق والتخطيط للمستقبل، بدلا من الانشغال الدائم بهاجس التراجع المستمر في مستوى المعيشة، وهي حالة نفسية إيجابية تشكل عنصرا مهما في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي معا.

القرار، كذلك، يبعث برسالة مهمة مفادها أن السياسة المالية لليست عملية حسابية جامدة، إذ يمكن أن تتضمن بعدا اجتماعيا يوازن بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات المواطنين، وأن الحكومات الناجحة لا بد أن توازن بين إدارة الأرقام والمؤشرات، وقدرتها على قراءة اللحظة الاجتماعية وتقدير احتياجات الناس في الأوقات الصعبة.

الزيادة الحالية تمثل خطوة إيجابية، وتقدم دعما ملموسا لأسر تحتاجه، وتمنح الأسواق دفعة مهمة، وتعزز شعور المواطنين بأن الدولة تتابع أوضاعهم وتسعى، ضمن إمكاناتها، للتخفيف من الأعباء التي يواجهونها. نعلم أن الزيادة لا تمثل حلا نهائيا لكل التحديات المعيشية، فملف تحسين مستويات الدخل يبقى ملفا مفتوحا، ويرتبط بعوامل اقتصادية أوسع وأكثر تعقيدا، غير أن أهمية القرار تكمن في توقيته ودلالاته وما يرسله من إشارات إيجابية للمجتمع.

مثل هذه الرسائل الإيجابية جزء أساسي من بناء الثقة والحفاظ على التماسك الاجتماعي الذي نحتاجه أكثر من أي وقت مضى، ففي الفترات التي تتكاثر فيها المخاوف والضغوط، تصبح القرارات التي تمنح المواطنين شعورا بالدعم والمساندة ذات أثر كبير يتجاوز قيمتها المالية المباشرة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ