مدار الساعة - كتب: وليد الهباهبة -
ثمة سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يُقلق النوم حين تتأمله طويلاً:
هل قراراتك قراراتك فعلاً؟لا أقصد القرارات الكبرى التي تعرف أنك اتخذتها تحت ضغط أو إغراء. أقصد تلك التي تبدو لك بديهية تماماً، تلك التي حين يسألك أحدهم عنها تقول بثقة: "هذا ما أعتقده أنا، وهذا ما توصلت إليه بنفسي". تلك بالتحديد هي التي ينبغي أن تتوقف عندها.في الحروب القديمة، كان العدو معروفاً، والميدان مرسوماً، والرصاصة تأتيك من اتجاه محدد. أما في الحرب التي نعيشها اليوم، فلا ميدان ظاهر، ولا عدو معلن، ولا رصاصة تسمع صوتها. الميدان هو عقلك، والرصاصة هي المعلومة التي تصلك مُعبّأة بعناية فائقة قبل أن تراها بسنوات.باتت القوى الكبرى تعرف ما أثبته علم الأعصاب منذ عقود: أن السيطرة على السلوك لا تمر بالضرورة عبر القوة، بل عبر شيء أعمق وأصعب اختراقاً في الظاهر، وأسهل اختراقاً في الحقيقة، ألا وهو "القناعة".من يملك قناعتك، يملك صوتك في الانتخابات، وموقفك من المعاهدات، وتحالفاتك وعداواتك، دون أن يحتاج إلى جندي واحد على أرضك.الدعاية التقليدية كانت فجّة وصاخبة. كانت تصرخ في وجهك، وتشحن عواطفك، وتستنفر خوفك، ثم تنتهي بانتهاء الحملة، تاركة أثراً يتلاشى. لكن ما نشهده اليوم شيء مختلف كلياً في طبيعته، وأشد خطورة في أثره.لا تأتيك هذه الحرب بالكذب الصريح، بل تأتيك بالحقيقة منقوصة، موضوعة في سياق مصمم مسبقاً بدقة مخبرية، كمن يضع لك خريطة صحيحة التفاصيل لكنها تُظهر وجهتك في الاتجاه الخاطئ. الحقائق كلها موجودة، لكن الإطار الذي وُضعت فيه يقودك حتماً إلى الاستنتاج المراد.والأخطر من كل ذلك أنك حين تصل إلى القناعة المطلوبة، تشعر أنك أنت من توصل إليها. تشعر باستقلالية التفكير وحرية الاختيار، وهذا بالضبط ما يجعل الأمر بالغ الخطورة. فالسجين الذي يعرف أنه في قفص يسعى إلى الخروج، أما من يعتقد أنه حر فلا يبحث عن باب.لم يولد هذا كله من فراغ، بل مر بمراحل، كل مرحلة أكثر نعومة وأعمق تأثيراً من سابقتها. بدأ الأمر بالحرب النفسية الكلاسيكية في زمن الحرب الباردة: مناشير تُلقى من الطائرات، وإذاعات تبث عبر الحدود، وشائعات تُزرع في الأسواق. كانت الأداة بدائية، والهدف كسر المعنويات لا بناء القناعات.ثم جاء تشومسكي وهيرمان في ثمانينيات القرن الماضي ليكشفا عن شيء أدق: أن وسائل الإعلام الكبرى لا تكذب بالضرورة، لكنها "تُفلتر وتؤطّر". تختار ما تقوله وما تسكت عنه، فتصنع في عقل المتلقي "موافقة طوعية" على سياسات ما كان ليقبلها لو عرف كامل الصورة. وهذا ما أسمياه بـ"صناعة الموافقة"، وهو تعبير لا يزال من أدق ما كُتب في هذا الشأن.لكن العصر الرقمي نقل كل ذلك إلى مستوى آخر تماماً. فحين أصبح بالإمكان تحليل سلوكك الرقمي وتفضيلاتك ومخاوفك ومحفزاتك العاطفية، أصبح بالإمكان تصميم رسالة مخصصة لك أنت تحديداً، لا للجمهور العام. خوارزمية تعرفك أكثر مما تعرف نفسك، وتعرف متى تكون قابلاً للإقناع، وبأي لغة، وعبر أي قناة.ما يجعل هذا كله أشد إقلاقاً هو الغلاف الذي يأتي فيه. فلا يأتيك هذا السلاح في هيئة دعاية حكومية فجّة يسهل رفضها، بل في هيئة تقرير صادر عن مركز أبحاث محترم، أو تحليل يقدمه "خبير مستقل"، أو نقاش يبدو موضوعياً على منصة رقمية، أو توصية تصدر عن هيئة دولية ذات هيبة.شركات الاستشارات الدولية تجيد هذا الدور تماماً. تعمل وسيطاً بين من يريد صياغة القناعات وبين المستهدف، محافظة على مسافة دبلوماسية آمنة بين الطرفين. فلا يمكنك أن تشير إلى حكومة بعينها وتقول: "هذه هي من زرعت هذه الفكرة في مجتمعنا". الخيط يمر عبر شركة، وعبر مركز دراسات، وعبر إعلامي، وعبر منصة، وبحلول الوقت الذي تتابع فيه الخيط تجد أنك فقدته.الخطورة الحقيقية لا تقتصر على الفرد، بل تمتد إلى النسيج الكامل للدولة والمجتمع. فحين تُعاد صياغة قناعات النخب السياسية والاقتصادية تجاه قضية ما، أو تحالف ما، أو قرار سيادي ما، فإن ما يجري في الحقيقة هو اختراق ناعم لمركز القرار الوطني، دون أن تُقتحم بوابة واحدة، ودون أن تُطلق رصاصة واحدة.وحين تُغذّى الانقسامات الفكرية الداخلية بناءً على دراسات سيكولوجية دقيقة للمجتمع، تتحول القضايا العادية إلى أزمات وجودية، والخلافات الهامشية إلى حروب هوية. المجتمع الذي كان يختلف ويتجادل ثم يتعايش، يجد نفسه فجأة أمام هوّات لا يعرف كيف نشأت.وفي الحالة الأردنية، تكتسب هذه القضية حساسية مضاعفة. فالأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي ودوره الإقليمي واستقراره السياسي، يبقى عرضة لمحاولات التأثير وصناعة السرديات وتوجيه الرأي العام من جهات متعددة ومتعارضة المصالح. ولا تقتصر هذه المحاولات على القضايا السياسية والأمنية، بل تمتد إلى الملفات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية والقيمية.إن الخطر لا يكمن فقط في نشر معلومات مضللة، بل في بناء تصورات ذهنية تدريجية تدفع المجتمع إلى تبني مواقف أو أحكام أو انقسامات يعتقد أنها نتاج قناعته الذاتية، بينما تكون في حقيقتها نتيجة عمليات تأثير مدروسة وطويلة الأمد. لذلك فإن حماية الأمن الوطني لم تعد مسؤولية المؤسسات وحدها، بل أصبحت مسؤولية كل مواطن يمتلك هاتفاً ذكياً وحساباً على منصة رقمية.وفي زمن تتنافس فيه الجهات المختلفة على كسب العقول قبل كسب المواقف، يصبح الوعي النقدي والتحقق من المعلومات والقدرة على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين التحليل والتوجيه، وبين النقاش الحر والتلاعب المنظم، خط الدفاع الأول عن الأردن واستقراره وتماسك مجتمعه.في مواجهة هذا كله، ثمة درع واحد لا يُستهان به، وهو أبسط مما تتخيل وأصعب مما تتمنى: أن تتعلم أن تسأل.لا تسأل فقط: "هل هذه المعلومة صحيحة؟"، بل اسأل أيضاً: "لماذا تصلني هذه المعلومة الآن؟ ومن يستفيد من أن أعتقد هذا؟ وماذا لو كانت الصورة الكاملة مختلفة؟".العقل الذي يعرف أنه ميدان محتمل للمعركة يصبح أصعب اختراقاً بكثير من العقل الذي يظن نفسه بمنأى عن كل هذا. والأمم التي تُربي مواطنين يسألون، وتُعلي من قيمة التفكير النقدي، تبني حصناً لا تُسقطه الدعاية، ولا تخترقه الخوارزميات، ولا تهزه حملات التأثير مهما بلغت دقتها وتعقيدها.


