أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الباشا السرحان يكتب: الأحزاب السياسية في الأردن.. بين تحديات الواقع وآفاق التحديث


الباشا الدكتور محمد ارحيل السرحان
مدير مركز الرشاد للدراسات الاستراتيجية

الباشا السرحان يكتب: الأحزاب السياسية في الأردن.. بين تحديات الواقع وآفاق التحديث

الباشا الدكتور محمد ارحيل السرحان
الباشا الدكتور محمد ارحيل السرحان
مدير مركز الرشاد للدراسات الاستراتيجية
مدار الساعة ـ

يُعدّ العمل الحزبي أحد أهم مرتكزات الحياة الديمقراطية الحديثة، إذ تشكل الأحزاب السياسية الأداة الرئيسة لتنظيم المشاركة الشعبية، وصياغة البرامج الوطنية، وإعداد القيادات القادرة على تحمل المسؤولية العامة. وقد أجمع المفكرون والباحثون في العلوم السياسية على أن وجود أحزاب سياسية فاعلة يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي نظام ديمقراطي، حتى أصبح من الصعب تصور ديمقراطية حقيقية في غيابها.

وتتميز الدول ذات الأنظمة الديمقراطية الراسخة بتعدد أحزابها السياسية وتنوع برامجها ورؤاها، بما يتيح للمواطنين خيارات متعددة تعبر عن توجهاتهم وقناعاتهم، ويعزز مبدأ التداول والتنافس البرامجي في إدارة الشأن العام. ومن هذا المنطلق، تؤدي الأحزاب دوراً محورياً في ترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز قوة مؤسسات الدولة، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار.

ولا يقتصر دور الأحزاب على المنافسة الانتخابية، بل يمتد ليشمل تنمية الوعي السياسي لدى المواطنين، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة، بما يسهم في بناء مجتمع واعٍ وقادر على التأثير في السياسات العامة وتوجيه مسارات التنمية الوطنية.

وفي الأردن، شكّلت مسيرة التحديث السياسي التي يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم منذ توليه سلطاته الدستورية محطةً مهمة في تطوير الحياة السياسية وتعزيز النهج الديمقراطي. وقد اكتسب هذا المسار زخماً أكبر عام 2021 مع إطلاق مشروع تحديث المنظومة السياسية، انطلاقاً من رؤية ملكية تؤمن بأن بناء المستقبل يتطلب أحزاباً وطنية قوية وقادرة على التعبير عن إرادة المواطنين وإفراز قيادات سياسية مؤهلة لقيادة الدولة وفق برامج واضحة ورؤى وطنية شاملة.

وفي هذا الإطار، جاءت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لتضع أسساً جديدة للحياة الحزبية، وتعيد للأحزاب دورها الطبيعي باعتبارها العمود الفقري لأي نظام ديمقراطي حديث. فالأحزاب في الرؤية الملكية ليست مجرد أطر تنظيمية، بل مؤسسات وطنية تُسهم في تنظيم المجتمع، وتأهيل القيادات، وصناعة السياسات العامة، وتعزيز المشاركة السياسية.

وفي السياق الأردني، لا يوجد تعارض بين الانتماء العشائري والانتماء الحزبي، فالعشيرة تمثل أحد المكونات الاجتماعية والوطنية الأصيلة التي أسهمت تاريخياً في بناء الدولة الأردنية والحفاظ على أمنها واستقرارها، بينما تمثل الأحزاب الإطار المؤسسي للعمل السياسي المنظم. ومن ثمّ فإن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تنافس، إذ يجتمع الانتماء الوطني الجامع مع الدور الاجتماعي للعشيرة والدور السياسي للحزب في خدمة الوطن وتعزيز وحدته واستقراره.

وقد مثّلت الانتخابات النيابية لعام 2024 محطة مفصلية واختباراً عملياً لمشروع التحديث السياسي؛ إذ شارك 36 حزباً من أصل 38 حزباً مرخصاً في الانتخابات، وتمكنت عشرة أحزاب فقط من الفوز بمقاعد ضمن القائمة الحزبية العامة. ورغم أن نتائج الانتخابات أفرزت وصول 104 نواب حزبيين إلى مجلس النواب، وهو تطور غير مسبوق في تاريخ الحياة البرلمانية الأردنية، فإن الأداء الحزبي داخل المجلس لم يرتقِ حتى الآن إلى مستوى التطلعات المأمولة.

فعلى الرغم من توفر فرصة حقيقية لتعزيز العمل البرامجي وتشكيل تحالفات سياسية مؤثرة، بقي الأداء النيابي قريباً من أنماطه التقليدية، حيث عانت الكتل الحزبية من ضعف التماسك وتباين المواقف نتيجة اختلاف المصالح والأولويات، فضلاً عن غياب الأطر القانونية والتنظيمية الكافية التي تضبط العلاقة بين النواب وأحزابهم. وقد انعكس ذلك على محدودية المبادرات التشريعية ذات الطابع الحزبي، وعلى ضعف قدرة الأحزاب على إحداث تحول ملموس في الأداء النيابي أو تعزيز ثقة المواطنين بالعمل الحزبي.

رغم ما شهده الأردن من إصلاحات دستورية وتشريعية مهمة عززت مكانة الأحزاب السياسية ووسعت من فرص مشاركتها في الحياة العامة، فإن مستقبل التجربة الحزبية يبقى مرهوناً بقدرة الأحزاب على التحول إلى مؤسسات وطنية راسخة تمتلك برامج واقعية، وقواعد شعبية فاعلة، ورؤى واضحة لمعالجة التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع. فنجاح العمل الحزبي لا يقاس بعدد الأحزاب أو حجم تمثيلها النيابي فحسب، وإنما بمدى قدرتها على بناء تنظيمات مؤسسية مستقرة، وإعداد قيادات مؤهلة، وتعزيز المشاركة السياسية، وتقديم بدائل وبرامج تستجيب لتطلعات المواطنين.

وفي المقابل، ما تزال الأحزاب الأردنية تواجه مجموعة من التحديات المتشابكة التي تحد من فاعليتها وتؤثر في قدرتها على النمو والتأثير. فمن جهة، تعاني العديد من الأحزاب من إشكالات داخلية تتعلق بضعف البناء المؤسسي، ومحدودية العمل البرامجي، والخلافات التنظيمية، وصعوبة استقطاب الكفاءات وتجديد القيادات. ومن جهة أخرى، لا تزال البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية المحيطة بالعمل الحزبي تواجه تحديات تتمثل في ضعف الثقافة الحزبية لدى قطاعات من المجتمع، واستمرار تأثير الاعتبارات الشخصية والجهوية، وتراجع ثقة بعض المواطنين بجدوى العمل الحزبي.

كما أن نجاح مسار التحديث السياسي يتطلب ترسيخ مبدأ استقلال الأحزاب واحترام حقها في إدارة شؤونها الداخلية بحرية كاملة، إذ ان أي تدخلات رسمية أو تأثيرات خارجية في خياراتها التنظيمية أو الانتخابية من شأنها أن تضعف ثقة المواطنين بها، وتحد من قدرتها على التطور الطبيعي وفق إرادة أعضائها، الأمر الذي ينعكس سلباً على مسار التحول الديمقراطي برمته.

وعليه، فإن الطريق نحو بناء حياة حزبية ناضجة وفاعلة ما يزال طويلاً ويتطلب جهداً تراكمياً وإرادة مشتركة من الدولة والأحزاب والمجتمع. فالتشريعات وحدها لا تكفي لإنجاح التجربة الحزبية ما لم تتوافر بيئة سياسية ومجتمعية داعمة، وأحزاب قادرة على تجاوز خلافاتها الداخلية، وتعزيز مؤسسية عملها، وترسيخ ثقافة المشاركة السياسية على أساس البرامج والكفاءة. وعندها فقط يمكن للأحزاب أن تؤدي دورها الطبيعي في تشكيل الحكومات البرلمانية، وتعزيز المشاركة الشعبية، وترسيخ الديمقراطية، والمساهمة في تحقيق أهداف التحديث السياسي والتنمية الوطنية الشاملة التي يتطلع الأردن، ويوجه لها دوما" جلالة الملك المعظم حفظه الله.

مدار الساعة ـ