أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحباشنة تكتب: اللجوء إلى القوة العسكرية خارج الأطر القانونية المتفق عليها دوليًا


المحامية بتول الرهايفة الحباشنة
ماجستير في القانون

الحباشنة تكتب: اللجوء إلى القوة العسكرية خارج الأطر القانونية المتفق عليها دوليًا

مدار الساعة ـ

بينما كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش أصلًا على وقع الحرب المستمرة في غزة والتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر والعراق وسوريا ولبنان، شهد العالم خلال الأشهر الأخيرة تطورًا غير مسبوق تمثل في انتقال الصراع بين إسرائيل وإيران من مرحلة المواجهة غير المباشرة إلى مرحلة الاشتباك العسكري المباشر. فقد نفذت إسرائيل ضربات استهدفت مواقع ومنشآت داخل الأراضي الإيرانية، شملت أهدافًا عسكرية ونووية، مبررة ذلك بوجود تهديدات تمس أمنها القومي وبضرورة منع إيران من تطوير قدرات عسكرية قد تشكل خطرًا استراتيجيًا عليها. ولم تمضِ فترة طويلة حتى ردت إيران بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، لتدخل المنطقة في أخطر مواجهة بين الطرفين منذ عقود. ومع اتساع دائرة التصعيد، تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا عبر استهداف منشآت إيرانية مرتبطة بالبرنامج النووي والبنية العسكرية الإيرانية، الأمر الذي أثار نقاشًا قانونيًا عالميًا حول مدى توافق هذه العمليات العسكرية مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

من الناحية القانونية، يشكل حظر استخدام القوة أحد أهم المبادئ التي قام عليها النظام الدولي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية. فالميثاق الأممي ينص بوضوح على امتناع الدول عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. وقد جاء هذا المبدأ نتيجة التجارب المدمرة للحروب العالمية، بهدف منع الدول من اللجوء إلى القوة العسكرية لتحقيق أهدافها السياسية أو الأمنية. ومع ذلك، لم يكن الحظر مطلقًا، إذ سمح الميثاق بحالتين استثنائيتين فقط، الأولى تتمثل في استخدام القوة بناءً على تفويض من مجلس الأمن، والثانية في ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس عند التعرض لهجوم مسلح.

هنا تبرز الإشكالية الأساسية المتعلقة بالضربات الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران. فإسرائيل تؤكد أن ما قامت به يندرج ضمن إطار الدفاع عن النفس في مواجهة تهديدات متزايدة وخطر وشيك يتمثل في البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية المتطورة. كما ترى أن طبيعة التهديدات الحديثة لا تسمح دائمًا بانتظار وقوع الهجوم الفعلي قبل التحرك، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسلحة قد تحدث أضرارًا واسعة خلال فترة زمنية قصيرة. وتستند هذه الرؤية إلى مفهوم يعرف في الفقه القانوني الدولي بالدفاع الوقائي أو الاستباقي، وهو مفهوم لا يزال محل خلاف كبير بين الدول والباحثين القانونيين.

في المقابل، يرى قطاع واسع من خبراء القانون الدولي أن التوسع في مفهوم الدفاع عن النفس يمثل خطرًا على النظام القانوني الدولي بأكمله. فقبول فكرة توجيه ضربات عسكرية استنادًا إلى احتمال وقوع تهديد مستقبلي قد يفتح الباب أمام استخدام القوة بصورة واسعة تحت ذرائع أمنية يصعب التحقق منها. ويستند هذا الاتجاه إلى التفسير التقليدي للمادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تشترط وجود هجوم مسلح فعلي أو خطر وشيك ومؤكد بدرجة عالية جدًا قبل السماح باستخدام القوة العسكرية. ووفق هذا الرأي، فإن أي عمليات عسكرية تتم خارج هذه الحدود أو دون تفويض من مجلس الأمن تبقى محل شك قانوني وقد تُعد انتهاكًا لمبدأ حظر استخدام القوة.

ولا تقتصر الإشكالية على شرعية بدء العمليات العسكرية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى كيفية تنفيذها. فالقانون الدولي الإنساني يفرض على جميع أطراف النزاعات المسلحة احترام مبادئ أساسية، أهمها التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. ومع تزايد التقارير حول استهداف منشآت حيوية وتعرض مناطق مأهولة لمخاطر الهجمات المتبادلة، برزت تساؤلات جديدة حول مدى التزام الأطراف المتصارعة بهذه القواعد ومدى إمكانية مساءلتها أمام الهيئات القضائية الدولية.

وقد كشفت هذه الأزمة مرة أخرى عن المعضلة التقليدية التي تواجه القانون الدولي، وهي الفجوة القائمة بين النصوص القانونية والواقع السياسي. فعلى الرغم من وضوح المبادئ التي تحكم استخدام القوة، فإن تطبيقها غالبًا ما يتأثر بحسابات النفوذ والمصالح الدولية. فمجلس الأمن، وهو الجهة المخولة بحفظ السلم والأمن الدوليين، يجد نفسه في كثير من الأحيان عاجزًا عن اتخاذ قرارات حاسمة بسبب الانقسامات بين الدول دائمة العضوية واستخدام حق النقض. ونتيجة لذلك، تتحول كثير من الأزمات الدولية إلى ساحات صراع سياسي تتراجع فيها الاعتبارات القانونية أمام موازين القوى.

إن التطورات الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تعكس اختبارًا حقيقيًا لقدرة القانون الدولي على مواكبة التحديات الأمنية الجديدة. فبين من يرى أن المخاطر الحديثة تبرر توسيع نطاق الدفاع عن النفس، ومن يتمسك بالتفسير التقليدي لميثاق الأمم المتحدة حفاظًا على استقرار النظام الدولي، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت قواعد القانون الدولي الحالية لا تزال قادرة على ضبط استخدام القوة في عالم تتزايد فيه التهديدات وتتسارع فيه التحولات الجيوسياسية. وفي جميع الأحوال، فإن استمرار اللجوء إلى القوة العسكرية خارج الأطر القانونية المتفق عليها دوليًا قد يؤدي إلى إضعاف أحد أهم المبادئ التي قام عليها النظام الدولي المعاصر، وهو مبدأ حظر الحرب باعتبارها وسيلة لحل النزاعات بين الدول

مدار الساعة ـ