أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

نقيبة أطباء الأسنان الأسمر تكتب: تجديد مزاولة المهن الطبيّة والصّحيّة ضرورة وطنية… من أجل الوطن والمواطن


الدكتورة آية الأسمر

نقيبة أطباء الأسنان الأسمر تكتب: تجديد مزاولة المهن الطبيّة والصّحيّة ضرورة وطنية… من أجل الوطن والمواطن

مدار الساعة ـ

“ إن تجديد مزاولة المهن الطبية هو بوليصة تأمين حياة لكل اردني ومقيم على أرض هذا الوطن الطاهر..... فإذا كانت قيادة المركبة تحتاج رخصة متجددة حفاظاً على الأرواح، فإن تجديد مزاولة المهن الطبية والصحية أولى وأوجب حفاظاً على الإنسان نفسه.”

هنالك لحظات يكون فيها الكلام واجباً وطنياً، وتصبح المواجهة ضرورة لحماية الناس.

حين نتحدث عن تجديد ترخيص مزاولة المهن الطبية والصحية، فإننا لا نتحدث عن ورقة إدارية تُجدّد كل بضع سنوات، ولا عن إجراء بيروقراطي يمكن تأجيله أو تجاهله.

نحن نتحدث عن صحّة وطن

عن أرواح بشر

عن أطفال يدخلون العيادات مطمئنين

عن مرضى يضعون ثقتهم الكاملة بمن يقف أمامهم مرتدياً المعطف الأبيض

نحن نتحدث عن خط الدفاع الأول عن الإنسان الأردني

كل دول العالم لا تسمح بقيادة مركبة دون رخصة سارية المفعول؛ لأنها تدرك أن الخطأ قد يودي بحياة إنسان، فكيف فإن كنا نقبل أن تخضع المركبات للفحص والترخيص والتجديد، إذاً فالحديث عن تجديد مزاولة المهن التي تتعامل مع صحة الإنسان أولى وأوجب حفاظاً على الإنسان نفسه.

إن العلم لا يقف عند محطة، والطب لا يعرف الجمود، وطب الأسنان الذي نمارسه اليوم ليس هو ذاته الذي كان يُمارس قبل سنوات، كل يوم هناك تقنيات جديدة، وأجهزة جديدة، ومواد جديدة، وبروتوكولات علاجية جديدة، ومعارف علمية تتضاعف بسرعة غير مسبوقة.

فكيف يمكن أن نقبل أن تبقى أدوات الرقابة والتطوير والتأهيل ثابتة بينما يتحرك العالم كله إلى الأمام؟

إن تجديد مزاولة المهنة ليس عبئاً على الطبيب، بل هو وسام شرف للطبيب الجاد،وهو شهادة احترام للعلم، وهو رسالة ثقة للمواطن، وهو إعلان واضح بأن صحة الأردنيين ليست مجالاً للتجريب أو العشوائية أو الاجتهاد غير المنضبط.

لكن الخطر الحقيقي لا يقف عند حدود التطور العلمي، الخطر الأكبر يكمن في الفوضى التي بدأت تزحف إلى جسد المهنة!

منتحلون لصفة الطبيب

دخلاء على المهنة

متجاوزون على القانون

ممارسون متطفلون على المهنة لا يملكون التأهيل الكافي

صفحات إلكترونية تبيع الوهم للناس

إعلانات مُضلّلة صاخبة تتاجر بآلام المرضى

وعروض تسويقية تسيء إلى المهنة أكثر مما تسيء إلى أصحابها

لقد أصبح المواطن في كثير من الأحيان عاجزاً عن التمييز بين الطبيب الحقيقي والدخيل، وبين الاختصاصي المؤهل وبين من يرتدي قناع المهنة.

وحين تضيع الحدود بين الحق والباطل، وبين الكفاءة والادّعاء، فإن الخاسر الأول هو الوطن.

نعم الوطن… لأن القضية لم تعد قضية طبيب أو نقابة، بل قضية ثقة عامة، وقضية أمن صحي وطني، وقضية سمعة دولة بنت مكانتها الطبية بعرق أبنائها على مدى عقود طويلة.

لأن الخطأ في المهن الطبية لا يشبه أي خطأ آخر….

خطأ قد لا يُعوّض أو يُستدرك

الخطأ الطبي فقد يترك ألماً دائماً، أو إعاقة دائمة، أو ندماً لا يزول.

ومن هنا فإن القضية ليست قضية أطباء أسنان، وليست قضية أطباء أو صيادلة أو ممرضين فقط، إنها قضية كل بيت أردني، وكل أم وأب، وكل طفل، كل مريض يضع ثقته في المنظومة الصحية الأردنية.

لقد بنى الأردن مكانته الطبية بعرق الرجال والنساء الذين حملوا رسالته الصحية إلى العالم، وأصبح الأردن إسماً يسبق نفسه في الطب والعلاج، وكان المريض العربي يعبر الحدود باحثاً عن الكفاءة الأردنية، فأصبحت السياحة العلاجية الأردنية نموذجاً يحتذى، بل قصة نجاح وطنية نفتخر ونعتز بها.

لكن المكانة لا تُورث

والريادة لا تُحفظ بالشعارات، ولا تبقى حيّة بالذكريات،

والسمعة لا تعيش على أمجاد الماضي.

إنها تحتاج إلى حماية باستمرار، وتشريعات تواكب العصر، ورقابة لا تعرف المجاملة.

أما أن نترك الحابل يختلط بالنابل، والكفاءة تختلط بالادّعاء، والمهنة تختلط بالفوضى، فذلك طريق لا يقود إلا إلى مزيد من التراجع.

لقد تغيٌر المشهد وتسلل إلى القطاع الصحي من لا علاقة لهم بالمهن الصحية من دخلاء ومتطفّلين…

وما يزيد الألم أن أبناء المهنة أنفسهم يدفعون ثمناً باهظاً!

آلاف الخريجين

بطالة تتسع عاماً بعد عام

ظروف اقتصادية قاسية

انخفاض في الدخل

تنافس غير متكافئ

وسوق مفتوحة أمام ممارسات غير قانونية تلتهم حقوق أصحاب الاختصاص

كيف نطلب من الطبيب الشاب أن يصمد؟

كيف نطالبه بالاستثمار في العلم والتدريب والتطوير؟

كيف نطالبه بالالتزام بأعلى المعايير؟

ثم نتركه يواجه منافسة غير عادلة مع من لا يلتزمون بالقانون أصلاً؟

إن العدالة المهنية ليست ترفاً، بل شرطاً أساسياً لبقاء المهنة وحمايتها والحفاظ على كرامتها وسويّتها ورسالتها.

هي حماية لكل القطاع الطبي الصحي سواء مقدم الخدمة حين يحمي نفسه أمام قانون المسؤولية الطبية الذي سيبحث عن قانونية ومشروعية مقدم الخدمة في الممارسة والمزاولة قبل أن يبحث في جوانب الخطأ الطبي، وحماية كذلك لمتلقّي الخدمة الذي سيتلقى الخدمة من كادر مؤهّل وخاضع لرقابة الجهات المسؤولة عنه.

‎لقد دفع القطاع الصحي الأردني ثمناً باهظاً من سمعته ومكانته خلال السنوات الماضية بسبب الفوضى والتجاوزات والدخلاء والتسويق المنفلت والمنافسة غير العادلة، وقد حان الوقت اليوم لأن تستعيد المنظومة الصحية في الأردن البوصلة وتسترجع مكانتها في الصدارة والريادة، وتعيد الاعتبار لمعايير الكفاءة والعلم والتطوير والمسؤولية والأمانة.

إن تجديد مزاولة المهنة ليس مطلباً نقابياً، إنه واجب وطني، وواجب أخلاقي، وواجب مهني، وواجب إنساني.

"تجديد مزاولة المهن الصحية: حماية للمواطن واستثمار في جودة الرعاية".

مدار الساعة ـ