أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو زيد يكتب: وَقْفُ إِطْلاقِ النَّارِ… بَيْنَ فَلْسَفَةِ السَّلَامِ وَوَاقِعِ القُوَّةِ


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب: وَقْفُ إِطْلاقِ النَّارِ… بَيْنَ فَلْسَفَةِ السَّلَامِ وَوَاقِعِ القُوَّةِ

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ
حينَ يَغيبُ العَدلُ، يَتحوَّلُ وَقفُ إطْلاقِ النّارِ مِن جِسرٍ نَحوَ السَّلامِ إلى هُدنَةٍ مُؤقَّتةٍ بَينَ جُولتَينِ مِنَ الحَرب

إنَّ الحُروبَ، مهما تَباينَتْ راياتُها وشِعاراتُها ومُبرِّراتُها، تَبقى إعلاناً عن فَشلِ السِّياسةِ في إدارَةِ الخِلاف، كما يَبقى السَّلامُ أرقى ما أبدَعَتهُ البَشريَّةُ مِن وسائلِ التَّعايُشِ والبَقاء. ولعلَّ أكثرَ المُصطلحاتِ حضوراً في زمنِ الحُروبِ والأزماتِ هو مُصطلحُ «وَقْفِ إِطْلاقِ النَّار»؛ ذلك المُصطلحُ الذي يَبدو للوهلةِ الأولى كأنَّهُ انتصارٌ للعَقلِ على البُندقيَّة، وللإنسانِ على آلةِ الموت، وللمُستقبلِ على جُنونِ الحاضر.

غيرَ أنَّ التَّجاربَ السِّياسيَّةَ تُخبرُنا بأنَّ وَقفَ إِطلاقِ النَّارِ ليس مُجرَّدَ تَوقُّفٍ لِصَوتِ المَدافِع، بل هو في جوهرِه عَقدٌ أخلاقيٌّ وسِياسيٌّ يَفترضُ وجودَ إرادةٍ حقيقيَّةٍ لدى الأطرافِ المُتنازعةِ للانتقالِ مِن مَرحلةِ الصِّراعِ إلى مَرحلةِ الحَلّ. فحينَ تَغيبُ هذه الإرادةُ، يُصبحُ وَقفُ إِطلاقِ النَّارِ مُجرَّدَ استراحةٍ مُحارِب، أو إعادةَ تَموضعٍ لِلقُوى المُتصارِعةِ، أو هدنةً تُخفي خلفَها حَرباً مُؤجَّلة.

لقد شَهِدَ العالمُ خلالَ العقودِ الأخيرةِ عَشراتِ اتِّفاقاتِ وَقفِ إِطلاقِ النَّار، مِنَ الحربِ بين روسيا وأوكرانيا، إلى التَّوتُّراتِ بين الهندِ وباكستان، إلى صِراعاتِ الشرقِ الأوسطِ المُتعدِّدة. وفي كُلِّ هذه الحالاتِ كان السُّؤالُ الجوهريُّ واحداً: هل يُرادُ مِن وَقفِ إِطلاقِ النَّارِ إنهاءُ الحَرب، أم إدارَتُها بطريقةٍ أُخرى؟

وفي منطقتِنا التي تَعيشُ على فَوالِقَ الجِغرافيا والسِّياسةِ والتَّاريخ، يَكتسبُ هذا السُّؤالُ أبعاداً أكثرَ تعقيداً. فغزَّةُ، على سبيلِ المثال، شَهِدت عَشراتِ المُبادراتِ والاتِّفاقاتِ والمَشاريعِ المُتعلِّقةِ بِوَقفِ إِطلاقِ النَّار، غيرَ أنَّ المُشكلةَ لم تَكُن يوماً في نُدرةِ الاتِّفاقات، بل في غِيابِ الالتزامِ الحقيقيِّ بها، وفي عَجزِ المُجتمعِ الدَّوليِّ عن فَرضِ احترامِها على الجَميع.

إنَّ المَبدأَ الذي ينبغي أن يَحكُمَ أيَّ نِقاشٍ حولَ الحُروبِ والصِّراعاتِ هو أنَّ حياةَ الإنسانِ تَبقى أعلى قيمةٍ مِن كُلِّ الحساباتِ السِّياسيَّةِ والعَسكريَّة. فالأطفالُ الذينَ يَفقدونَ مَنازلَهم، والعائلاتُ التي تُهجَّرُ مِن أوطانِها، والمُسنُّونَ الذينَ يُصبحونَ لاجئينَ بَعدَ عُمرٍ كاملٍ مِنَ الاستقرار، ليسوا أطرافاً في الصِّراع، ولا يَنبغي أن يَدفعوا أثمانَه.

ولذلكَ فإنَّ أيَّ مَشروعٍ للسَّلامِ يَبدأُ أوَّلاً مِن تَغليبِ اللُّغةِ الإنسانيَّةِ على لُغةِ القُوَّة، ومِن إغاثةِ المُتضرِّرينَ وحِمايةِ المدنيِّينَ، ومِن اعتبارِ الإنسانِ غايةً للسِّياسةِ لا وَقوداً لها.

وفيما يَتعلَّقُ بالصِّراعِ المُتصاعدِ بين إيرانَ مِن جهة، والولاياتِ المُتَّحدةِ وإسرائيلَ مِن جهةٍ أُخرى، فإنَّ القراءةَ الموضوعيَّةَ تَقتضي القولَ إنَّ أيَّ تَصعيدٍ عَسكريٍّ يَستهدفُ سيادةَ الدُّولِ ويُوسِّعُ دائرةَ المواجهةِ يُسهمُ في زِيادةِ حالةِ الفوضى وعدمِ الاستقرار. كما أنَّ اللُّجوءَ إلى القُوَّةِ بوصفِها وسيلةً أولى لِحلِّ الخِلافاتِ لا يَنتجُ سوى مَزيدٍ مِنَ الخَسائرِ والأزمات.

وفي المُقابل، لا يُمكنُ تجاهُلُ الإشكاليَّاتِ التي رافقتِ السِّياساتِ الإيرانيَّةَ خلالَ العقودِ الماضية، ولا سيَّما ما يَرتبطُ بفكرةِ الوُكلاءِ والجَماعاتِ المُسلَّحةِ العابرةِ لِحُدودِ الدُّول، وما أفرزَتهُ مِن تَعقيداتٍ في العِراقِ واليَمنِ ولُبنانَ وفلسطين. فاستقرارُ الدُّولِ يَقتضي أن تَكونَ السِّيادةُ للدَّولةِ ومُؤسَّساتِها، وأن يَكونَ احتكارُ السِّلاحِ مِن اختصاصِها وحدَها.

غيرَ أنَّ المُفارقةَ الكُبرى تَكمُنُ في أنَّ استمرارَ الاحتلالِ، وتَكرارَ الاعتداءاتِ، وعَدمَ الالتزامِ بالاتِّفاقاتِ، يُوفِّرُ باستمرارٍ الذَّرائعَ والحُججَ لِبقاءِ هذه التَّنظيماتِ وتَمسُّكِها بخِطابِ السِّلاح. فحينَ يَشعُرُ النَّاسُ أنَّ الاتِّفاقاتِ لا تُحترم، وأنَّ الضَّماناتِ لا تُنفَّذ، وأنَّ القُوَّةَ ما زالت هي اللُّغةَ السَّائدة، فإنَّ الثِّقةَ بأيِّ مَسارٍ سِلميٍّ تَتآكلُ شيئاً فشيئاً.

وهُنا تَبرزُ الإشكاليَّةُ الجوهريَّةُ في فلسفةِ وَقفِ إِطلاقِ النَّارِ. فالاتِّفاقُ لا يَكتسبُ قيمتَهُ مِن نَصِّه، بل مِن احترامِه. والسَّلامُ لا يُقاسُ بِعددِ التَّواقيعِ على الوَثائق، بل بِمدى الالتزامِ بما وَردَ فيها. وإذا كانَ أحدُ الأطرافِ يَحتفظُ دائماً بِحقِّ القَصفِ والاغتيالِ والاستهدافِ الأحاديِّ بَعدَ إبرامِ الاتِّفاقات، فإنَّ الثِّقةَ التي تُشكِّلُ الرُّوحَ الحقيقيَّةَ لأيِّ تَسويةٍ تَتعرَّضُ للتَّآكلِ المُستمر.

إنَّ الشَّرقَ الأوسطَ اليومَ لا يَحتاجُ إلى مَزيدٍ مِنَ الصَّواريخِ، بل إلى مَزيدٍ مِنَ الحِكمة. لا يَحتاجُ إلى تَوسيعِ دوائرِ الكُراهيةِ، بل إلى تَوسيعِ دوائرِ الاعترافِ المُتبادَل. لا يَحتاجُ إلى إدارَةِ الأزماتِ، بل إلى مُعالجةِ جُذورِها. فالحُروبُ كالنَّار؛ قد يَعتقدُ البعضُ أنَّهُ قادرٌ على توجيهِها، لكنَّها في النِّهايةِ تَلتهمُ الجَميع.

إنَّ وَقفَ إِطلاقِ النَّارِ ليس مُجرَّدَ إجراءٍ عَسكريٍّ أو بَندٍ في اتِّفاقٍ سِياسيٍّ، بل هو اختبارٌ أخلاقيٌّ لِمدى احترامِ الأطرافِ لِحقِّ الإنسانِ في الحياة، واختبارٌ سِياسيٌّ لِمدى جِدِّيَّةِ الإرادةِ الدَّوليَّةِ في صناعةِ السَّلام. وحينَ يُصبحُ احترامُ الاتِّفاقاتِ قاعدةً لا استثناءً، وحينَ يُصبحُ العَدلُ شَريكاً للقُوَّةِ لا ضحيَّةً لها، عِندَها فقط يُمكنُ أن يَتحوَّلَ وَقفُ إِطلاقِ النَّارِ مِن هُدنَةٍ مُؤقَّتةٍ إلى بَوَّابةٍ حقيقيَّةٍ نَحوَ مُستقبلٍ أكثرَ أمناً وإنسانيَّة.

السَّلامُ ليسَ أن تَصمُتَ المَدافِعُ لِبُرهةٍ، بَل أن تَفقدَ الحُروبُ كُلَّ مُبرِّراتِ وُجودِها.

مدار الساعة ـ