لم يعد الخطر الحقيقي في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في أولئك الذين قرروا تحويله من أداةٍ للمعرفة والإبداع إلى وسيلةٍ لتزييف الوعي وتحريف الحقائق والإساءة إلى الأشخاص والمؤسسات.
فالذكاء الاصطناعي، كغيره من منجزات العقل البشري، يمكن أن يكون قوةً للبناء والتطوير وخدمة الإنسان، لكنه يتحول إلى أداة هدم حين يُستخدم لاختلاق أحداثٍ لم تقع، وصناعة صورٍ لا أصل لها، وتقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق ثابتة.وما شهدناه مؤخرًا من تداول صورةٍ مُفبركة تجمع وزير الشباب بشخصٍ يرغب في رئاسة نادي الفيصلي، رغم أن هذا اللقاء لم يحدث أصلًا، ولم يجلس الطرفان معًا، ولم تقع الواقعة التي حاولت الصورة الإيحاء بها، لا يمكن اعتباره مزحةً أو اجتهادًا تقنيًا أو خطأً غير مقصود، بل هو فعلٌ يستهدف تضليل الرأي العام وصناعة انطباعات زائفة لا تستند إلى أي حقيقة.فالقضية هنا لا تتعلق بصورةٍ فحسب.إنها تتعلق بمحاولةٍ واعية لصناعة واقعٍ بديل.وتتعلق بمحاولة توجيه الرأي العام الرياضي عبر واقعةٍ مختلقة.وتتعلق كذلك بالإساءة إلى وزارة الشباب بوصفها مؤسسةً وطنية تؤدي دورها وفق أحكام القانون والدستور، وتمارس مسؤولياتها تجاه الأندية والهيئات الرياضية ضمن الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة.إن اختلاق الوقائع ليس حرية رأي.وتزييف الصور ليس نقدًا.وصناعة الأحداث داخل برامج الحاسوب ليست شكلًا من أشكال التعبير المشروع.فالنقد يقوم على الوقائع، أما التزوير فيقوم على اختلاقها.والرأي يُبنى على الحقيقة، أما التضليل فيُبنى على إخفائها أو تشويهها.وحين يعجز البعض عن مواجهة الحقائق، يلجؤون إلى صناعة حقائق بديلة.وحين لا يجدون واقعةً تدعم روايتهم، يخترعون واقعة جديدة.وحين لا تسعفهم الأدلة، يستعينون بالخداع البصري.وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.فالمستهدف ليس شخصًا بعينه، ولا مسؤولًا بعينه، ولا مؤسسةً بعينها، بل المستهدف هو ثقة المجتمع بالحقيقة ذاتها.لأن السماح بانتشار الصور المفبركة والوقائع المختلقة دون مساءلة يفتح الباب أمام ثقافةٍ خطيرة يصبح فيها الكذب مادةً للنقاش العام، والتزييف أداةً للتأثير، والخداع وسيلةً لتشكيل المواقف.وعندها لا تكون الضحية وزارةً أو مسؤولًا أو ناديًا رياضيًا، بل تكون الضحية وعي الناس وحقهم في الوصول إلى المعلومة الصحيحة.ومن هنا فإن التعامل مع مثل هذه الأفعال لا ينبغي أن يبقى في إطار الاستنكار الأخلاقي فقط، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره مسألةً تمس المصلحة العامة وحق المجتمع في معرفة الحقيقة.فكل من يثبت تورطه في تزوير الصور أو فبركة المحتوى أو نشر مواد مضللة بقصد الإساءة إلى الأشخاص أو المؤسسات أو تضليل الرأي العام، يجب أن يخضع للمساءلة القانونية وفق أحكام القانون، وأن تُحال مثل هذه القضايا إلى الجهات القضائية المختصة، ليقول القانون كلمته فيها، حمايةً للحقيقة وصونًا لحقوق الأفراد والمؤسسات، وردعًا لكل من يعتقد أن الفضاء الرقمي يمكن أن يكون ملاذًا آمنًا للكذب والتضليل.فالدولة التي تحمي حرية الرأي ملزمةٌ أيضًا بحماية الحقيقة.والمجتمع الذي يحترم النقد لا يمكن أن يتسامح مع التزوير.والمؤسسات الوطنية التي تخضع للمساءلة والمحاسبة لا يجوز أن تكون هدفًا لحملاتٍ تقوم على الوقائع المختلقة والصور المصنوعة والأحداث الوهمية.وفي زمنٍ أصبحت فيه الصورة قادرةً على الكذب، يبقى القانون هو الحارس الأخير للحقيقة، وتبقى المسؤولية الأخلاقية والوطنية هي خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع.فالأوطان لا تُبنى بالشائعات، ولا تُدار بالتزييف، ولا تُحمى مؤسساتها بالخداع، بل تُبنى بالصدق، وتُدار بالمسؤولية.المساعدة يكتب: من فبرك الصورة.. ولماذا استُهدفت وزارة الشباب؟
مدار الساعة ـ