تعكس زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني للمشاريع الصناعية والإنتاجية نهجا راسخا يقوم على المتابعة المباشرة لمسارات التنمية الاقتصادية، وترجمة الأولويات الوطنية إلى واقع ملموس على الأرض، فعندما يفتتح جلالته مشاريع إستراتيجية في شركة البوتاس العربية وشركة برومين الأردن، ويطلع على خطط التوسع والاستثمار المستقبلية، فإن ذلك يحمل دلالات اقتصادية تتجاوز حدود هذه المشاريع لتؤكد أن الإنتاج والاستثمار والتصدير تشكل ركائز أساسية في مسيرة النمو الاقتصادي للمملكة.
وتكتسب هذه الزيارات أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تشهد فيه الصناعات التعدينية الأردنية تحولات نوعية عززت مكانتها في الأسواق العالمية، فشركة البوتاس العربية لم تعد تعتمد على إنتاج المواد الأولية فقط، إنما أصبحت نموذجا صناعيا متقدما يواصل الاستثمار في رفع الطاقة الإنتاجية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتطوير مصادر الطاقة المستدامة، بما يرسخ قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية ويعزز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات الوطنية.كما تمثل شركة برومين الأردن قصة نجاح صناعية أردنية استطاعت من خلالها المملكة ترسيخ حضورها في واحدة من أكثر الصناعات التخصصية أهمية على مستوى العالم، فالتحول المستمر نحو تطوير المنتجات ورفع القيمة المضافة وتوسيع قاعدة الأسواق التصديرية يعكس رؤية إدارية متقدمة نجحت في تحويل الموارد الطبيعية إلى صناعة عالمية متطورة تصل منتجاتها إلى عشرات الدول وتلبي جزءا مهما من الطلب العالمي.ويحسب لإدارتي البوتاس العربية وبرومين الأردن نجاحهما في ترسيخ ثقافة التطوير المستمر والاستثمار طويل الأمد، حيث لم تتوقف جهود التوسع عند حدود المحافظة على الحصة السوقية، لكن اتجهت نحو بناء قدرات إنتاجية جديدة وتبني حلول تقنية وصناعية تعزز الكفاءة وترفع القدرة التنافسية، وهذا النهج يمثل نموذجا لما يمكن أن تحققه الإدارة المؤسسية عندما تقترن بالرؤية الواضحة والاستثمار المستدام.الرسالة الأبرز في هذه الزيارات تتمثل في تأكيد جلالة الملك المستمر على أهمية العمل الميداني باعتباره الأداة الأكثر فاعلية في متابعة الإنجاز وتقييم الأداء وتحفيز التطوير، فوجود جلالته بين العاملين وفي مواقع الإنتاج يمنح هذه المشاريع زخما إضافيا، ويعكس اهتمام القيادة بمتابعة التفاصيل المرتبطة بالاستثمار والتشغيل والتصدير، وهي عوامل تشكل جوهر التنمية الاقتصادية المستدامة.النهج الملكي يدفع الحكومة بصورة واضحة لرفع الأداء الميداني، حيث أصبحت الزيارات الميدانية لرئيس الوزراء والوزراء جزءا أساسيا من عملية إدارة الملفات الاقتصادية والاستثمارية، فمتابعة المشاريع من مواقعها الفعلية تتيح فهما أكثر دقة للتحديات والفرص، وتسرّع اتخاذ القرار، وتعزّز الشراكة مع القطاع الخاص، وتبعث برسائل ثقة للمستثمرين المحليين والدوليين.وعندما يزور رئيس الوزراء مشروعا صناعيا في القطرانة، ثم ينتقل إلى معان لمتابعة المناطق التنموية والمشاريع اللوجستية، فإن المسألة تتجاوز افتتاح مصنع أو تفقد مشروع قائم، لأن ما يجري يعكس منهجا اقتصاديا يقوم على إدارة الاستثمار من الميدان، وربط القرار الحكومي مباشرة بمواقع الإنتاج وفرص التوسع والنمو.لسنوات طويلة كانت المحافظات الجنوبية تنتظر استثمارات قادرة على إحداث أثر اقتصادي مستدام، خاصة أن بعض الحكومات أنهت ولاياتها دون أن تترك مشاريع إستراتيجية قادرة على تغيير المشهد التنموي في الجنوب أو بناء مزايا تنافسية جديدة للمحافظات.اليوم تبدو المقاربة مختلفة؛ فالحضور الحكومي المتكرر في الكرك والطفيلة ومعان والعقبة لا يقتصر على إطلاق الوعود أو الإعلان عن الخطط، وإنما يرتبط بقرارات تنفيذية تستهدف إزالة كلف الاستثمار وتطوير البنية التحتية وتحفيز رأس المال المحلي والأجنبي على التوسع.الرسالة الاقتصادية الأبرز من هذه الزيارات أن الجنوب لم يعد ينظر إليه باعتباره منطقة تحتاج إلى مشاريع تنموية متفرقة، وإنما باعتباره محورا استثماريا متكاملا يمتلك مقومات الصناعة، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والتصدير، وعندما تترافق الزيارات الميدانية مع قرارات تنفيذية وحوافز واضحة ومشاريع بنية تحتية إستراتيجية، فإننا لا نتحدث عن متابعة حكومية تقليدية، وإنما عن تأسيس بيئة استثمارية جديدة تستهدف تحويل المحافظات الجنوبية إلى أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في المملكة خلال السنوات المقبلةالعمل الميداني أساس الثقة
مدار الساعة (الغد) ـ