أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الفايز يكتب عن 'تشرشل السكران'


م. طلال محمد الفايز
مسوؤل الاتصال والتنسيق الحكومي في مكتب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في الأردن

الفايز يكتب عن 'تشرشل السكران'

م. طلال محمد الفايز
م. طلال محمد الفايز
مسوؤل الاتصال والتنسيق الحكومي في مكتب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في الأردن
مدار الساعة ـ

الحديث عن ترسيم الحدود في المنطقة لا يمكن اختزاله في روايات مبسطة من نوع "تشرشل السكران رسم حدود الدول"، فالتاريخ أكثر تعقيداً وتشابكاً من هذه الصورة الشعبوية المتداولة

صحيح أن القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا، لعبت دوراً محورياً في إعادة رسم خرائط المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن الحدود لم تُرسم على منديل في جلسة عابرة، بل جاءت نتيجة اتفاقيات دولية ومفاوضات سياسية وعسكرية معقدة استمرت لسنوات، وشاركت فيها قوى دولية وإقليمية متعددة، وفقاً لموازين القوى والمصالح السائدة آنذاك.

أما الأردن، فقد أثبت خلال أكثر من قرن أنه دولة راسخة بمؤسساتها وشعبها وقيادتها، وليس مجرد خطوط على خريطة. فشرعية الدول واستمراريتها لا تُقاسان بكيفية رسم حدودها في لحظة تاريخية معينة، بل بقدرتها على بناء الاستقرار، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز سيادة القانون، وتحقيق الإنجازات لشعوبها.

ومع كامل الاحترام للدكتور جواد العناني، فإن إعادة تداول رواية "تشرشل السكران" عند الحديث عن نشأة الدول أو ترسيم الحدود لا تنسجم مع الدقة الأكاديمية المطلوبة، ولا مع مسؤولية النخب الفكرية في تقديم قراءة موضوعية للتاريخ. فمن المؤسف أن تستمر بعض السرديات الشعبية في التداول رغم افتقارها إلى الأساس العلمي والتاريخي المتين، وكأن تاريخ المنطقة بكل تعقيداته السياسية والقانونية والدبلوماسية يمكن تفسيره بحكاية عابرة أو نكتة متداولة

إن الاعتراف بالدور الاستعماري في رسم بعض حدود المنطقة لا يعني الانتقاص من شرعية الدول التي نشأت لاحقاً، ولا التقليل من مكانتها الوطنية. فالأردن لم يستمد شرعيته من قرار خارجي أو خط مرسوم على الخريطة، بل من تاريخه السياسي، ومؤسساته الدستورية، وتضحيات أبنائه، ودوره العربي والإقليمي الممتد على مدى أكثر من مئة عام

المشكلة ليست في اختلاف الآراء أو تعدد القراءات التاريخية، بل في تحويل الروايات المبسطة إلى حقائق مسلّم بها، وتكرارها دون تمحيص أو تدقيق. فالتاريخ يُقرأ بالوثائق والحقائق والتحليل الرصين، لا بالشائعات أو القصص المتداولة

الأردن أكبر من أن يُختزل في رواية، وأعمق من أن يُفسَّر بنكتة، وأرسخ من أن تهز صورته سرديات فقدت مصداقيتها أمام حقائق التاريخ وواقع الدولة وإنجازاتها.

مدار الساعة ـ