لسنا أمام تصرف عابر يمكن تبريره، ولا أمام خلاف شخصي ينتهي باعتذار، ولا حتى أمام كلمات قيلت في لحظة غضب ثم انتهى أثرها. نحن أمام جريمة تمس جوهر الحرية الإنسانية، وتستهدف إرادة الإنسان وكرامته وأمنه النفسي والاجتماعي. جريمة لا تقوم على القوة الجسدية بقدر ما تقوم على صناعة الخوف، واستغلال الضعف، وتحويل القلق إلى وسيلة لتحقيق المكاسب والمنافع غير المشروعة.
وفي ظل التطور التكنولوجي المتسارع واتساع نطاق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت أنماط جديدة من الجرائم تمس أمن الأفراد وحرياتهم وكرامتهم، ويأتي الابتزاز والتهديد الإلكتروني في مقدمة هذه الجرائم بوصفه أحد أخطر الاعتداءات على الإرادة الإنسانية والحياة الخاصة.فالابتزاز الإلكتروني لا يقوم فقط على التهديد، وإنما على استغلال حالة الخوف والضغط النفسي لإجبار المجني عليه على تقديم منفعة مادية أو معنوية أو تنفيذ رغبة غير مشروعة. ويزداد خطر هذه الجريمة عندما يستخدم الجاني الصور أو المحادثات أو المعلومات الشخصية كسلاح للضغط والإكراه.ويُقصد بالابتزاز الإلكتروني قيام شخص باستخدام الشبكة المعلوماتية أو أي وسيلة إلكترونية لتهديد شخص آخر بنشر صور أو بيانات أو معلومات أو أسرار أو إلحاق ضرر بسمعته أو حياته الخاصة، بقصد الحصول على المال أو تحقيق منفعة أو إجباره على القيام بفعل أو الامتناع عنه.جاءت المادة (18) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني لتؤكدأ- يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن (3000) ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على (6000) ستة آلاف دينار كل من ابتز أو هدد شخصاً آخر لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه أو للحصول على أي منفعة جراء ذلك من خلال استخدام نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية أو موقع إلكتروني أو منصة تواصل اجتماعي أو بأي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.ب- تكون العقوبة الأشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (10000) عشرة آلاف دينار إذا كان التهديد بارتكاب جريمة أو بإسناد أمور خادشة للشرف أو الاعتبار وكان ذلك مصحوباً بطلب صريح أو ضمني للقيام بعمل أو الامتناع عنه. ومن الناحية القانونية، فإن أركان جريمة الابتزاز الإلكتروني تتمثل في:1. استعمال وسيلة إلكترونية أو شبكة معلوماتية.2. صدور تهديد أو ضغط أو إكراه على المجني عليه.3. وجود قصد جرمي لدى الجاني.4. تحقيق منفعة أو السعي للحصول عليها أو إجبار المجني عليه على القيام بفعل أو الامتناع عنه.ويؤكد القانون الأردني أن كرامة الإنسان وحياته الخاصة مصونة، وأن أي محاولة لاستغلال المعلومات الشخصية أو الصور أو البيانات الخاصة لتحقيق مكاسب غير مشروعة تشكل جريمة تستوجب العقاب.إن مواجهة الابتزاز الإلكتروني لا تكون بالخضوع للمبتز أو الاستجابة لمطالبه، وإنما بالاحتفاظ بالأدلة الرقمية والتقدم بشكوى إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية والجهات القضائية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق الجاني.ومن هنا فإن الرسالة القانونية واضحة :لا حصانة لمبتز خلف شاشة، ولا حماية لحساب وهمي، ولا قيمة لرسالة تم حذفها بعد إرسالها.فكل تهديد بقصد تحقيق منفعة غير مشروعة هو جريمة، وكل استغلال للخوف من أجل الكسب هو جريمة، وكل محاولة لإخضاع إرادة إنسان بالإكراه هي جريمة.ويبقى القانون أقوى من التهديد، والعدالة أبقى من الخوف، والكرامة الإنسانية ليست سلعة قابلة للمساومة أو الابتزاز.فالحق يُطلب بالقانون.تحذير للأردنيين.. رسالة واحدة قد تفتح باب السجن!
مدار الساعة ـ