أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ما حقيقة ضياء العوضي؟


فارس الحباشنة

ما حقيقة ضياء العوضي؟

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ
ما حقيقة ضياء العوضي؟

كنت أول من حذرت وواجهت في الاردن مدعي النبؤة الطبيب ضياء العوضي.

تابعت العديد من فيديوهات انتجها.. لست مريضا ولا أبحث عن وصفة سحرية، وبقدر ما أبحث عن اجابة لسؤال محير، لماذا يكره الناس الاطباء والدواء والمستشفيات، ولماذا نجح طبيب في شهور قليلة، أن يخلق قاعدة جماهيرية وجيش من الموالين والانصار والمؤمنين في نظريته الغذائية ووصاياه الطبية؟! ونلاحظ أن أتباع وانصار العوضي لا يثقون في المؤسسة الصحية الرسمية، وناقمون على الاطباء والمستشفيات والعلاج، والصيادلة..

عدوى العوضي وصلت الى الأردن، ومن بين انصاره ومتابعيه من قرر ترك الدواء واتباع وصاياه الغذائية والطبية.

وطبعا، من وراء الالتفاف حول العوضي واتباعه ومناصرته سقط ضحايا ومصابون، ومن قامروا في حياتهم وتجاهلوا النصائح الطبية، ومنهم من مات ومنهم من نقل الى الطوارىء وادخل الى غرف العناية الحثيثة.

مريض سكري يتوقف عن تناول الدواء.. ويتبع حلا سهلا، وغير مضمون، وهل هو جاهل أم احمق أم أن هناك ما هو أعمق؟ الجواب ليس سهلا، كما هي وصفات ووصايا العوضي للمرضى.

ولكن، يبدو أن هناك علاقة حرب بين المواطن والنظام الصحي، علاقة لا تعرف الرحمة، اطباء بلا مشاعر ولا يجيدون التواصل مع المرضى، ونظام صحي بارد ومتجمد، وطبقي، واطباء لغتهم معقدة ويتحدثون بطلاسم طبية، وتكاليف باهظة تنهش جيوب المواطنين.

المريض أمام طبيب ينظر اليه فاتورة او رقم في عداد المرضى، ولا يشعر بوجعه ولا المه، فانه يشعر بالغربة.

وهو داخل الى كيان غريب وجاهل أمام لغة لا يفهمها، وفقير أمام التكاليف الباهظة والجنونية التي ترهقه.

النظام الصحي الحالي مصمم لمعالجة الامراض لا لعلاج البشر.. أنه نموذج رأسمالي واستهلاكي، ونموذج عديم الانسانية.

جبروت طبي، وأرض خصبة لولادة العوضي ومئات من أمثال العوضي.

المريض يبحث عن أنسان وليس طبيبا.

يظهر العوضي على شاشات الميديا، يتحدث في لغة سطحية وعامية ومبسطة، ويشتم النظام الصحي الرسمي، وينقلب على البرتوكولات، ويمنح من وقته ساعات ليروج الى وصايا ومواعظ طبية غير علمية.

نصائح الى المرضى، ولا يعرف من أي كتاب مرجعية اومدرسة طبية يأتي بها.. لكنها تلقى صدى في نفوس الناس الموجعين والمرضى، ويمنحهم أملا لا علاجا.

العوضي لم يقدم أي دواء، ولكنه كسر قواعد النظام الصحي، واعترف بأن المريض هو إنسان أولا.

وأن الطبيب ليس آلة جامدة وباردة، ولا حصالة فلوس، وان المريض لا يبحث عن طبيب عبقري، إنما أحد يشعر بوجوده، ولو لم يقدم له دواء وعلاجا.

الناس اتبعوا العوضي والتزموا بوصاياه واوامره، لانهم يائسون ومحبطون من النظام الصحي العام، ولا يشعرون بالطمأنينة.

يأس من دواء عالي الكلفة ومراجعة الطبيب في العيادة، ويأس من انتظار الدور في المستشفيات، ويأس من طوابير لا تنتهي لمرضى لا يعرفون متى سوف يكشف عليهم الاطباء.

العوضي ليس هو الحل.. ولكن، هو اعتراف بوجود أزمة في النظام الصحي.

وهو درس للاطباء ونقابة الاطباء وجمعيات الاطباء، والنظام الصحي الرسمي.

ومات العوضي، ولكن التربة خصبة لولادة وانجاب مئات من أمثال العوضي.

حقائق مؤلمة في النظام الصحي، لربما علاجها لا يحتاج الى بناء مستشفيات وتعيين مزيد من الاطباء، بل كيف نصمم نموذجا إنسانيا لا استهلاكيا ورأسماليا للطب.

وحيث يقاس التقدم والنجاح الطبي في كرامة المريض والاستماع اليه، وليس بعدد الكشوفات.

ونظام تأمين صحي اجتماعي وعادل، ويفصل بين الكلفة المالية والعلاج ودخل المريض.

ويضمن للفقراء بان يعالجوا ولا يكون مصيرهم الاهمال والنسيان.

أنا لست طبيا ولا أريد الخوض في صحة او عدم صحة ما طرحه العوضي من وصايا غذائية وطبية.

ولكن هذه السطور محاولة لتحليل الظاهرة وقراءة ما وراءها، وتسليط الضوء على المشاكل العميقة والمستعصية في النظام الصحي.

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ